• ×
الخميس 18 أبريل 2024 | 04-17-2024
سيف الدين خواجة

مباريات في الذاكرة بين الروح والواقع !!!

سيف الدين خواجة

 0  0  6584
سيف الدين خواجة
مباريات في الذاكرة بين الروح والواقع !!!
عبر العمر تمر بالإنسان لحظات غريبة وعجيبة في الحياة حتى أنك تكون للحظات طويلة بين مصدق ومكذب، لحد أنك تفرك عينيك كأنك في حلم أو متاهة، لكن هناك تتحقق لك، وأمام عينيك، ويصدقها الواقع وتخشى أن ترويها حتى لا تقع تحت طائلة الكذب، أو في أسوأ الأحوال تحت طائلة الصلاح والتقوى، وقد تكون أحيانا في حالات لا تسمح للصلاح والتقوى، أن تمر عليك، وفي أضعف الإيمان للذين لا يرون من أرنبة أنوفهم، وليس لهم أدنى علاقة بالروح أو المحبة أو الوجدان أو حتى بما يمس القلب من رقة، واحيانا يرميك بأفضل مما تتصور انها الحاسة السادسة ليس إلا، وكثيرا ما أميل لذلك، وكثيرا ما لا أتكلم عن هذه حيث لا معنى للكلام، ولكن بعد مضي هذا المديد من العمر بفضل من الله ورحمة، وددت أن اشارككم التجربة خاصة في مجال الرياضة والمباريات الهامة منها ..
علي ما أذكر في السبعينات كنا ضيوفا علي غداء بامتداد الدرجة بالخرطوم، بمنزل الأستاذ سليمان أحد رجالات الأقطان في عهدها الذهبي، وكنت برفقة عمي مهدي وصهري لاحقا، والذي قدم من بورتسودان لأمر نقابي، كونه أحد خبراء هذا المجال، ومعنا الأستاذ إسماعيل الرفاعي القطب الهلالي وعضو أحد مجالس الهلال أوائل الستينات، ومجموعة أخرى، وأثناء الغداء، طلب الأستاذ اسماعيل الرفاعي من عمنا أن يدعو بعد صلاة العصر أن ينصر الله الهلال اليوم مساء على الموردة، والتي كانت بعبعا مخيفا أوان مدربها ميروسلاف فقال عمي مهدي: أنا عندي متاخرات تماطلون فيها لها زمان، فرد اسماعيل: والله نغلب اليوم تصرف غدا، فكان رد عمنا: أها يا إسماعيل لو غلبتوا أربعة رأيك شنو؟ فرد إسماعيل: يسمع منك الله والشيك أول حاجة أوقعها بكرة، وانفض سامرنا علي أمل اللقاء، وفعلا انتهت المباراة بأربعة أهداف للهلال، والتقيت إسماعيل رحمه الله صباح اليوم التالي، ورأيته بابتسامه الجميلة وقوامه المديد ذاك، قائلا: يا ابني عمك كتل الجماعة كتلة واحدة أربعة والله ما مصدق، فبادرته: والشيك، فقال أول شئ أوقعه، وكان ثالثنا داخل الاسانسير استاذنا عبد الله ابو العلا والذي سر أيما سرور، وقال: كانت مباراة حلوة، وكانت الأقطان في الطابق الثالث من عمارة أبو العلا الجديدة، ومكتب عملي بالطابق الرابع، ومن غرائب الأشياء أن إسماعيل الرفاعي كان شاهدا ضد بهاء الدين في قضية طائرات السسنا التي تم شراءها بالقطن بطريقة فيها من الذكاء والالتواء ما حير فقهاء المحاسبة، وأجد أنها عظمة رجال السودان الذي كان، رحم الله من مات، وأمد في أعمار الأحياء!!!
لكن وقبل المباراة اعلاه بسنوات وكنت برفقة الأخ وابن العم إسماعيل محمد علي ابن مدير مرور الخرطوم في ذلك الزمان، وكنت وإياه نهم بدخول مباراة هلال موردة وكانت الموردة مولعة، وبعد الغداء بالديم، تحركنا قبل المغرب بقليل للمباراة، وإسماعيل يرتجف لامتلاء المريخ بكل أساطينه فاز عليها قبل أسبوع واحد بهدف يتيم بعد خروج روح في مباراة لم يبق إلا جلب رجال المطافي لتهدئة نارها المتقدة، أما الهلال فينقصه الكثير، ولا ينفعه أن يكون الزعيم المحبوب من عشرين مليون من البشر كما قال الراحل ابو آمنة حامد مرة.
ودخلنا جامع الخرطوم الكبير لأداء صلاة المغرب، وأمنا رجل عجيب وغريب به صلاح ولا شك ولا نزكي على الله أحدا، قرأ في الركعة الأولى سورة القدر، وفي الثانية الزلزلة بصوت به خشوع، يمزجك مزجا حتى لا تحس بالعالم من حولك، أو كان كل الكون هو هذا الجامع، وراع انتباهي أن بيني والإمام شلالات من نور، وبعد السلام، انتهزتها فرصة للدعاء للوالد الذي لم أره، وسمعت صرير قلم في كتفي اليمين أي والله على ما أقول شهيد، وصوت كلام بين الكتفين من اليمين للشمال، وكأن تلك قد كتبت في صحيفتي، وانتهز إسماعيل استغراقي فهمس لي بأن أدعو بالتوفيق في هذه المباراة، فدعوت فمرت علي نسمة باردة، وصوت يقول لي: أربعة، ثم خرجنا، وقلت: سنفوز بالأربعة، فرد: خلاص قمت على تخاريفك، ممازحا: يا أخي المريخ بالجلالة، فاز واحد بصعوبة، ثم وصلنا المصطبة الشمالية، حيث أعتاد الجلوس، وأجد فيها نديمي في الهلال: أحمد الكبيدة شقيق نائب سكرتير يومها الأستاذ صالح، وبعد السلام تآنسنا، فقال: إسماعيل لاحمد: صاحبك قال: نفوز بالأربعة فرد أحمد: لو شواطين ومصطفى النقر كويس، نديها أربعة، فبرطم إسماعيل بين مصدق ومكذب، وتدخل مريخابي من أبناء بحري ممازحا: الله يمرقكم الليلة لو مرقتوا مسلوخين بسيطة.
بدأت المباراة انتهى شوطها الأول بهدف رأسي أحرزه قاقارين في صديقي الصيدلي لاحقا حارس مرمي الموردة، واستمر الشوط الثاني سجالا ولاعب الموردة رجب الوسيلة يصول ويجول بقوامه الممشوق كصاري المركب، لايوقفه الا الفاول، وظل أخونا المريخابي يتندر، وتبقى من الزمن حوالي 10 دقايق، وبدأت الجماهير تتحرك للخروج ضربوا قلة، وحمل خارج الملعب، ونزل اللاعب كتم، وضع الكرة، ووقف النقر وظهره للمرمى، ومقفول برزم لاعبين أشار لكتم أن يلعب له الكرة، وهي بالناحية اليسار أرضا، فلعبها له استدار النقر دورة كاملة، وضرب الكرة وأسكنها الشباك، لم تمر دقيقة إلا وضربوا عصام عبد الخير من الناحية اليمنى فخرج، ودخل مكانه شوقي، ووضع الكرة، وبنفس الطريقة والوضع أشار له مصطفى، أرسل شوقي الكرة، ودار مصطفى دورة كاملة، وضع الكرة في الشباك هدفا ثالثا، أهداف يجب تدريسها الآن لو تمت إعادتها اليوم، وبعد دقيقة دخل الهدف الرابع وأحرزه الضو سنار على ما أذكر.
وكنت طوال ذلك الوقت ممسكا الأخ الأحمر، حتى لا يخرج، فقال لي: بالفقرا كدا عديل، قلت له: انتظر لترى الأهداف التي لا تضيع كيف تضيع، وفعلا ضاعت أكثر من ثلاثة أهداف بين استغراب وصراخ الجماهير، وقلت لصاحبنا الأحمر: والله لا فقرا ولا شي بس أدوني لها في الجامع والحمد لله.
وهذا كله من الأشياء والأحداث لا تصدق، لكن لها شهودها في الواقع، رحم الله من مضى، وأمد الله في عمر الأحياء، إنها محبة كرة القدم والإخلاص لها عندما يكون فيها أمثال النقر وقاقارين وكتم وشوقي وبقية الغر الميامين !!!
وواحدة أخرى، تتعلق بمنافسات أفريقيا في السبعينات، كنت وصديقي الأثير الأحمر الصافي عثمان، عطر الله أيامه أينما كان، وكنا في مأمورية عمل محاسبية بمدينة إب اليمنية، المدينة التي تذكرك باغنية حبيبة عمري حقا وصدقا، وتعجب أيما عجب لشاعر يقول: (ويحملني على جناح أغر حيث لا أمنيات تخيب، ولا كائنات تمر)، هذه مدينة فوق الخيال، تجلس فوق السحاب، وتشرب من ضوء النجيمات البعيدة، مدينة العفو كاملا بان تسرح وتمرح في شعابها وهضابها، وتروح ولا تعود، إنها عاصمة اللواء الأخضر، وحق لها أن تكون.
وفي ذاك الفندق الصغير من طابقين فقط، وغرفة محدودة في ذاك الزمان قبل خمسة عقود، وكنا نسمع البث التجريبي للإذاعة ريبا، والتي كانت محطة تقوية لإذاعة أم درمان، وكان واضحا واستبشرنا بها خيرا، وهو خير لم يدم، وإن دام الفساد، وعرفنا أن هلاريخ ستلعب تواليا ضد الزمالك المصري وكانون ياوندي، وظل الصافي يكاويني ويغيظني بمحبة: أها كيف؟ ما كيف؟ وقبل المباراة بيوم، قلت له: الهلال سيطير بالهزيمة في عقر داره، ثم ذهبنا لتعز لبركة المتوكل، كما يقول الشعراء، ومدينة تعز يومها تقوم علي نهاد ونهود، وفي كل منها تري كأن سماء ركبت فيها، لنسمع المباراة، وانتهت بهدفي حمادة إمام وشبعنا عشاء، ومكاواة من الحمران، والورق البرئ مدور، وقام بما يلزم بالتنبر: ونحن ونحنا الشرف الباذخ، ودعناهم وقفلنا راجعين على أن نأتيهم يوم المريخ، ويوم مباراة المريخ صباحا، وعلى الإفطار قلت: لصديقي الأحمر الصافي: المريخ خرج أيضا بفارق الأهداف، حيث حلمت بذلك، كنت رأيت نفسي قرب استاد المريخ، فرأيت جموعا خارجة تلعن، وتسخط، ولا تدري أن الآتي أسوأ، وأن السخط سيستمر، فسألت أحدهم: وهوغضبا ن أسفا، وعمامته تجر أذيال الخيبة على الأرض، وبعضها على رأسه: كم النتيجة؟ رد غاضبا: اتنين لواحد، هدف تهديف بقوة من السنتر، وكررنا الذهاب لتعز، واستمعنا للمباراة، وخرج المريخ بفارق الأهداف، كما قلت لهم جميعا، وأخذوا مني الصاع صاعين، وأشبعتهم بعد أن شبعت من العشاء الدسم، وأيضا رحم الله من مات، وأمد الله في عمر الأحياء !!!
ومن غرائب مدينة إب وذلك الفندق، أنني شاهدت في النوم نتيجة مباراة هلاريخ بجوبا، وقلت لصديقي: فزتم، وأحرز الهدف لاعب أحمر، لون البشرة، وكنا نجهز للسفر عائدين من المأمورية، وفي مطار الخرطوم استقبلني ضابط الجمارك، صديقنا الأحمر جدا عبدالله، وهو يضحك، وقبل أن يبشرني بشرته، وتصافحنا، وتسامرنا سمرا جميلا كما عهد تلك الأجيال التي لن تتكرر بتلك المواصفات والقيم والنبل الكريم، كنا هلاريخ أخوة ما فرقتنا إلا غربة، وأتت قسرا، فطوحتنا، وطوحت الوطن، فابتلينا بما فينا من الحزن على الفرقة وعلة الوطن بما فيه من حزن نبيل
امسح للحصول على الرابط
بواسطة : سيف الدين خواجة
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

للمشاركة والمتابعة

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لـ "كفر و وتر" 2019