المقالات

سمع وشوف  خليل فتحي خليل في السودان حين يصبح الدولار حلماً بعيد المنال

-

سمع وشوف

خليل فتحي خليل

 

في السودان حين يصبح الدولار حلماً بعيد المنال

عندما يصل سعر صرف الدولار الواحد إلى أربعة آلاف جنيه سوداني، فإن الأمر لا يعود مجرد رقم يتداوله المتعاملون في الأسواق أو خبر اقتصادي تتناقله وسائل الإعلام، بل يتحول إلى قضية تمس حياة كل مواطن بصورة مباشرة، وتنعكس آثارها على تفاصيل يومه منذ أن يستيقظ وحتى يخلد إلى النوم.

فارتفاع سعر الدولار بهذا الشكل يعني ببساطة انخفاض القوة الشرائية للجنيه السوداني، ويعني أن المواطن الذي كان يستطيع شراء عدد معين من السلع بالأمس أصبح عاجزاً عن شرائها اليوم، لأن الأسعار ترتفع بصورة متواصلة ومتسارعة. فمعظم السلع الأساسية والمواد الغذائية والأدوية ومدخلات الإنتاج ترتبط بشكل أو بآخر بسعر العملات الأجنبية، لذلك فإن أي ارتفاع في الدولار ينعكس مباشرة على الأسواق.

المواطن البسيط هو أول من يدفع الثمن، فهو لا يملك حسابات مصرفية ضخمة ولا شركات تجارية تمكنه من حماية أمواله من التآكل، بل يعتمد على راتب أو دخل محدود غالباً ما يظل ثابتاً بينما تتضاعف الأسعار من حوله. وعندما ترتفع تكلفة الغذاء والدواء والمواصلات والكهرباء ومستلزمات الحياة اليومية، يجد نفسه أمام معادلة صعبة لا يعرف كيف يوازن فيها بين احتياجات أسرته وإمكاناته المحدودة.

ولعل أخطر ما يترتب على تدهور قيمة العملة الوطنية هو اتساع دائرة الفقر. فالأسر التي كانت تعيش حياة مستقرة نسبياً بدأت تجد صعوبة في توفير متطلبات المعيشة الأساسية، بينما أصبحت شريحة كبيرة من المواطنين تعتمد على تقليل الاستهلاك أو الاستغناء عن بعض الاحتياجات الضرورية. ومع مرور الوقت تتراجع مستويات التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية نتيجة الضغوط الاقتصادية المتزايدة.

كما أن ارتفاع الدولار يؤدي إلى زيادة تكلفة الإنتاج المحلي، لأن كثيراً من المصانع والمشروعات تعتمد على مواد خام أو قطع غيار أو معدات مستوردة. وعندما ترتفع تكلفة الإنتاج ترتفع أسعار المنتجات الوطنية أيضاً، فتدخل الأسواق في دائرة مفرغة من الغلاء المتواصل، ويتحمل المواطن العبء الأكبر في نهاية المطاف.

ولا يقتصر الأثر على الجانب المعيشي فقط، بل يمتد إلى الجانب النفسي والاجتماعي. فحالة القلق من المستقبل والخوف من استمرار ارتفاع الأسعار تخلق شعوراً عاماً بعدم الاستقرار، وتؤثر على خطط الأسر وطموحات الشباب وأحلامهم. ويصبح التفكير في توفير لقمة العيش وتدبير الاحتياجات اليومية هو الهم الأكبر الذي يطغى على بقية الاهتمامات.

إن استقرار سعر الصرف ليس قضية اقتصادية فحسب، بل هو قضية أمن اجتماعي واستقرار مجتمعي. فكلما حافظت الدولة على قوة عملتها الوطنية ونجحت في تعزيز الإنتاج والصادرات وجذب الاستثمارات وتنشيط الاقتصاد، انعكس ذلك إيجاباً على حياة المواطنين ومعاشهم. أما استمرار تدهور العملة فيعني المزيد من الضغوط على الأسر والمزيد من التحديات أمام الاقتصاد الوطني.

ويبقى المواطن السوداني، رغم كل هذه الظروف، نموذجاً للصبر والتحمل. لكنه ينتظر حلولاً حقيقية تعالج جذور الأزمة الاقتصادية، وتعيد للجنيه السوداني شيئاً من عافيته، وتمنح الناس أملاً في غدٍ أفضل. فالأوطان لا تبنى بالأرقام وحدها، وإنما تبنى حين يشعر المواطن أن ثمرة جهده تكفيه وتكفي أسرته، وأن مستقبله ليس رهينة لتقلبات سوق العملات وأسعار الصرف.

ولعل السؤال الذي يطرحه الجميع اليوم: إلى متى يظل المواطن السوداني يدفع فاتورة تراجع العملة وارتفاع الأسعار؟ وإلى متى يبقى الدولار هو المتحكم الأول في تفاصيل حياة الناس؟ إنها أسئلة تنتظر إجابات عملية، لأن معاناة المواطن لم تعد تحتمل المزيد من الانتظار. :::

صحيفة كفر و وتر الإلكترونية

صحيفة كفر و وتر الإلكترونية ،صحيفة إخبارية رياضية شاملة تسعى لتكون من الصحف ذات الجودة في الخبر والمعلومة والتغطيات الإعلامية بكادر يسعى ليفرض نفسه على الساحة الإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من صحيفة كفر و وتر الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading