صدي الكلام… خليل فتحي خليل حين يبكي العيد على وطن اسمه السودان

-
صدي الكلام…
خليل فتحي خليل
حين يبكي العيد على وطن اسمه السودان
في أول أيام عيد الأضحى لعام ٢٠٢٦،
لم يكن العيد يشبه العيد، ولم تكن الطرقات ترتدي فرحتها المعتادة، ولم تكن القلوب خفيفة كما ينبغي لها أن تكون في صباحات الأعياد.
كان الحزن واقفًا على أبواب المدن، وكانت البلاد تمشي بخطى متعبة فوق ذاكرة مثقلة بالدخان والغياب.
وفي داخلي، كنت أبكي على وطن اسمه السودان…
وطن لا يستحق إلا الخير، ولا يليق به سوى السلام والمحبة والطمأنينة.
السودان يا سادتي ليس مجرد أرضٍ على الخارطة، بل حكاية جمال طويلة.
وطنٌ حين تنظر إلى وجهه ترى النيل يعبر بهدوء كأنه دعاء، وترى الشمس وهي تعانق الحقول، وترى الناس البسطاء وهم يصنعون من القليل حياة مليئة بالرضا.
السودان وطن “سمح”… والكلمة السودانية حين تقول عن شيء إنه “سمح” فهي تختصر كل الجمال الذي تعجز اللغة عن وصفه.
هذا الوطن الجميل لا يشبه الحرب أبدًا.
لا يشبه أصوات البنادق، ولا دخان المعارك، ولا وجع النزوح، ولا دموع الأمهات.
السودان خُلق للحياة، للأغنيات، للسلام، للون الأخضر حين يملأ الحقول، ولصوت الضحكات في البيوت الواسعة.
كيف لوطنٍ بهذا الجمال أن يتعب كل هذا التعب؟
كيف للأرض التي أنجبت الطيب صالح ومحجوب شريف ووردي والكاشف أن تتحول إلى ساحة صمت وخوف؟
وكيف لبلادٍ كانت تغني للحب والنيل والمطر أن تصبح محاصرة بأصوات الرصاص؟
في السودان، حتى الحزن له ملامح مختلفة.
فالناس رغم أوجاعهم يبتسمون، ورغم الفقد يفتحون أبوابهم للضيف، ورغم الحرب ما زالوا يقتسمون كسرة الخبز وكوب الشاي والدعوات الطيبة.
هذا الشعب العظيم يستحق أن يعيش في أمان، وأن يرى أبناءه يكبرون تحت سماء مستقرة لا تُمزقها النيران.
العيد في السودان كان زمانًا يشبه القصيدة.
صباحاته تبدأ بالتكبيرات، ثم تفوح رائحة البخور من البيوت، وتخرج الأمهات بملابسهن الزاهية، وتتعالى الضحكات في الحيشان، ويتصافح الناس بمحبة خالصة لا تعرف التصنع.
كان العيد مناسبة ليعود البعيد، وليسامح المتخاصمون بعضهم البعض، وليجلس الجميع حول مائدة واحدة اسمها الوطن.
أما اليوم، فقد صار العيد يسأل عن الغائبين.
صار يبحث عن الذين فرقتهم الحرب، وعن البيوت التي أغلقت أبوابها، وعن الأطفال الذين سرقت المعارك من أعينهم براءة الطفولة.
حتى الألعاب النارية في العيد أصبحت تُخيف البعض، لأن أصوات الانفجارات تركت داخل الأرواح خوفًا عميقًا.
ومع ذلك…
ما زلت أؤمن أن السودان أقوى من الحرب.
وأؤمن أن المحبة قادرة على هزيمة الكراهية، وأن هذا الوطن مهما انكسر سيعود واقفًا مثل شجرة ضخمة قاومت العواصف وظلت تمنح الناس الظل والثمر.
لقد تعب السودان من لغة السلاح.
تعب من صوت البنادق والطبنجات، ومن نشرات الأخبار الثقيلة، ومن القلوب التي نسيت معنى الرحمة.
وحان الوقت لنستمع لصوت آخر…
صوت الكمنجة.
نعم… نحتاج أن يعود صوت الكمنجة أعلى من الرصاص.
نحتاج إلى الموسيقى التي تُهذب الأرواح، وإلى الأغنيات التي تجمع الناس حول الحنين والجمال.
الكمنجة حين تبكي لا تسفك الدماء، بل تغسل القلوب من القسوة.
والفن الحقيقي دائمًا كان جسرًا بين البشر، يرمم ما تهدمه السياسة، ويجمع ما فرقته الحروب.
السودان بلد الفن الجميل.
بلد الطمبور والصفقة والدلوكة، بلد الأصوات التي كانت تجعل الليل أكثر دفئًا.
فكيف تحولت البلاد من وطن يغني إلى وطن يئن؟
وكيف صار الناس يحفظون أسماء الأسلحة أكثر من أسماء الأغنيات؟
إن الوطن لا يُبنى بالخوف، بل بالأمل.
ولا تُصنع نهضته بالبندقية، بل بالعقل والمحبة والعدالة.
فالسودان يتسع للجميع، وكلما ضاقت القلوب اتسعت الأرض بالحزن.
في هذا العيد، أتمنى أن يعود السودان كما كان…
وطنًا مفتوح النوافذ للسلام،
وأن تعود القطارات تحمل المسافرين بدل أخبار النزوح،
وأن تعود المدارس مليئة بالأطفال لا بالصمت،
وأن يعود المزارعون إلى حقولهم، والرعاة إلى مراعيهم، والمغنون إلى مسارحهم، والعشاق إلى أحلامهم البسيطة.
أتمنى أن يعود الناس إلى بعضهم البعض،
وأن يدرك الجميع أن الوطن أكبر من الخلافات، وأن الدم السوداني أغلى من كل النزاعات.
السودان جميل…
جميل بإنسانه، بطبيعته، بلغته، بأغنياته، بنيله، وبروحه التي لا تموت.
وطن إذا ضحك أضاء إفريقيا كلها، وإذا حزن بكت معه القلوب.
ولأن السودان يستحق الحياة، فلا بد أن يأتي يوم تُطفأ فيه آخر بندقية، وتُعزف فيه أول معزوفة سلام طويلة تحت سمائه الرحبة.
يا سودان…
يا وطنًا نحمله داخل الدعاء والحنين،
سنظل نحبك مهما أثقلتك الجراح، وسنظل نحلم لك بالسلام مهما طال الانتظار.
وفي هذا العيد، لا نطلب سوى أن يعود الأمان إلى البيوت، وأن تعود الضحكات إلى الحيشان، وأن يصبح صوت الكمنجة أعلى من صوت الرصاص إلى الأبد.
فالسودان لا يستحق الحرب…
السودان يستحق أن يعيش جميلًا كما خلقه الله.




