حين يرحل أصحاب النغم الجميل السودان يبكي الإنسان الفنان مجذوب أونسة

-
حين يرحل أصحاب النغم الجميل
السودان يبكي الإنسان الفنان مجذوب أونسة
بقلم: خليل فتحي خليل
في هذا اليوم الحزين، انكسر وترٌ من أوتار الأغنية السودانية، وترجل فارسٌ ظل يحمل الجمال في صوته، والبساطة في روحه، والإنسانية في قلبه.
رحل صديقي الحبيب الفنان مجذوب أونسة إثر حادث حركة موجع، فارتدى الحزن ثياب الوطن، وبكت عليه القلوب قبل العيون.
كان مجذوب أونسة واحداً من أولئك الناس الذين لا يشبهون أحداً…
هادئاً كأغنيات المساء، جميلاً في دواخله، أنيقاً في بساطته، قريباً من الناس دون تكلف، وصاحب روح شفافة تجعل كل من يقترب منه يشعر بأنه يعرفه منذ سنوات طويلة.
تربطني به علاقة صداقة امتدت لعمرٍ كامل، عرفته فيها إنساناً قبل أن يكون فناناً، ووجدته أكبر من الأضواء والشهرة.
وكنت أحب أن أناديه دائماً بـ(أبو محمد)، ذلك الاسم الذي كان يليق بحميميته ودفئه الإنساني.
اليوم أفتقده كثيراً…
أفتقد صوته، وضحكته، وحضوره الأنيق في كل المحافل.
أفتقد ذلك الفنان الذي كان يشارك الناس أفراحهم بمحبة خالصة، ويمنح المناسبات روحاً أخرى.
وكم جمّل لنا مساحات مهرجانات ومعارض الزهور بمدينة كوستي، فكان حضوره لوحة من الذوق والجمال، وكان الفن معه يشبه الوطن حين يكون في أجمل حالاته.
لم يكن مجذوب أونسة مجرد مطرب يؤدي الأغنيات ثم يغادر المسرح، بل كان صاحب مشروع وطني وثقافي كبير، مشروع يؤمن بأن الفن رسالة، وأن الأغنية يمكن أن تصنع المحبة وتجمع الناس حول الجمال.
لكن للأسف… رحل قبل أن يكتمل الحلم.
لقد ترك الراحل إرثاً غنائياً سيظل حاضراً في ذاكرة السودانيين، ومن أشهر أغنياته:
“صياد النجوم”
“حلم الصبا”
“إزيك إنت”
“ما سلامك”
“آخر خبر”
“مصابيح الكلام”
“حد يقدر ينسى نفسه”
“أقدار”
“قلبي العنيد”
“الفرح المجروح”
“يا قمري يا رحال”
“عزيز أنت يا وطني
كانت أغنياته تشبهه…
دافئة، صادقة، ومليئة بالإحساس.
يغني للحب، وللوطن، وللناس البسطاء الذين يشبهونه.
وحين كان يصدح بصوته، كنا نشعر أن السودان ما زال بخير، وأن للأغنية السودانية وجهاً نبيلاً لا يغيب.
رحل مجذوب أونسة، لكن الأصوات الحقيقية لا تموت.
تبقى معلقة في الذاكرة مثل دعاءٍ جميل، وتظل الأغنيات تمشي بين الناس كأن أصحابها لم يرحلوا.
اللهم ارحم الفنان الإنسان مجذوب أونسة، واغفر له بقدر ما زرع من فرحٍ ومحبة في قلوب الناس، وألهم أسرته وأصدقاءه ومحبيه الصبر الجميل.
سلامٌ عليك يا أبو محمد…
يوم غنيت للحياة،
ويوم أحبك الناس،
ويوم رحلت تاركاً خلفك وطناً كاملاً من الحزن والنغم الجميل.



