المقالات

مشاهدات  خليل فتحي خليل السكة الحديد السودانية.. ذاكرة وطن على قضبان الصدأ وحنين لا يتوقف إلى زمن الصفارة الأخيرة

-

مشاهدات

خليل فتحي خليل

 

 

السكة الحديد السودانية.. ذاكرة وطن على قضبان الصدأ وحنين لا يتوقف إلى زمن الصفارة الأخيرة

 

 

في كل مرة أمر فيها بالقرب من محطة قطار مهجورة، أو أشاهد قضباناً صدئة تمتد نحو الأفق بلا حركة، تعود بي الذاكرة إلى زمن جميل كان فيه القطار سيد السفر في السودان، وكانت السكة الحديد شرياناً نابضاً يربط أطراف الوطن ببعضها البعض.

لقد سافرت بالقطار في معظم اتجاهات السودان؛ شمالاً نحو عطبرة ووادي حلفا، وشرقاً نحو بورتسودان وكسلا، وغرباً نحو الأبيض ونيالا، وجنوباً نحو سنار ومدن الجنوب القديمة، في أيام كانت فيها القطارات تحمل البشر والبضائع والرسائل والأحلام فوق قضبان تمتد عبر السهول والصحارى والوديان.

كانت الرحلة تبدأ قبل موعد السفر بساعات طويلة. أصل إلى محطة السكة الحديد فتستقبلني حركة دائبة لا تهدأ. عشرات المسافرين يتوافدون إلى المحطة، بعضهم يحمل الحقائب الجلدية القديمة، وآخرون يجرون صناديقهم المعدنية، بينما تتعالى أصوات الباعة وهم يعرضون الشاي والقهوة والفول السوداني والصحف اليومية.

في شباك التذاكر يقف الناس في صفوف طويلة ينتظرون دورهم في نظام وانضباط. يمد المسافر يده عبر النافذة الصغيرة ليحصل على تذكرته الورقية التي كانت تحمل اسم المحطة والوجهة ورقم العربة والمقعد. كانت التذكرة في ذلك الزمان وثيقة سفر حقيقية يعتز بها أصحابها.

أما ساحة المحطة فكانت مسرحاً مفتوحاً للمشاعر الإنسانية. هنا أم تبكي وهي تودع ابنها المسافر للدراسة، وهناك أب يوصي أبناءه بالصبر والاجتهاد، وفي زاوية أخرى يحتضن الأصدقاء بعضهم بعضاً قبل الرحيل. تختلط الضحكات بالدموع، وتتداخل كلمات الوداع مع صفارات القطارات القادمة والمغادرة.

ومن أجمل المشاهد التي لا تزال راسخة في الذاكرة إدارة شحن الأمتعة. كان لكل حقيبة أو صندوق بوليصة شحن خاصة تصدر من مكتب الشحن بالمحطة. يشرف الموظفون على تسجيل البيانات بدقة، ثم يتولى العمال نقل الأمتعة عبر عربات يدوية صغيرة إلى عربة البضائع الملحقة بالقطار. وكان المسافر مطمئناً أن أمتعته ستصل إلى وجهتها مهما بعدت المسافة.

وعندما تقترب لحظة الرحيل، يبدأ القطار في التحرك ببطء شديد، كأنه يودع المدينة قبل أن يشق طريقه نحو الأفق. تتراجع مباني المحطة شيئاً فشيئاً، بينما تتسارع دقات القلوب مع بداية الرحلة.

كانت محطات السكة الحديد السودانية تتميز بطراز معماري خاص. مبانٍ أنيقة من الطوب الأحمر والحجر، وأسقف مرتفعة، وأرصفة واسعة، وساعات كبيرة معلقة على الجدران. لكل محطة شخصيتها، لكن جميعها تحمل هيبة مؤسسة عريقة صنعت جزءاً مهماً من تاريخ السودان الحديث.

وفي قلب هذه المنظومة كانت تقف ورش السكة الحديد بمدينة كوستي شامخة كخلية نحل لا تهدأ. هناك تُجرى أعمال الصيانة للقاطرات والعربات، وتفكك المحركات وتُعاد إليها الحياة من جديد. أصوات المطارق والحديد، ورائحة الزيوت والشحوم، وحركة الفنيين والمهندسين، كلها كانت تشهد على عظمة مؤسسة كانت يوماً من أكبر مؤسسات السودان وأكثرها انضباطاً.

وبالقرب من مكاتب التشغيل كانت غرف التلغراف، ذلك العالم السحري الذي ينظم حركة القطارات عبر آلاف الكيلومترات. كان موظف التلغراف يجلس أمام أجهزته يرسل الرسائل والإشارات إلى المحطات الأخرى، لتبقى حركة القطارات منتظمة وآمنة على مدار الساعة.

أما طاقم القطار فكان يمثل صورة الانضباط والأناقة. السائق ومساعده، ورئيس القطار، وكمسارية التذاكر، وعمال الخدمات، جميعهم يرتدون زياً موحداً أنيقاً يبعث الاحترام في نفوس المسافرين. وكانت القبعات الرسمية والشارات المعدنية تزيدهم هيبة ووقاراً.

وعلى امتداد الخطوط الحديدية كانت إشارات السيمافور الشهيرة تقف كحراس للطريق. بأذرعها المعدنية الحمراء والبيضاء كانت تعطي الأوامر للقطارات بالتوقف أو المرور، قبل أن تعرف السكك الحديدية الأنظمة الإلكترونية الحديثة.

داخل القطار كانت تتشكل أجمل العلاقات الإنسانية. يجلس إلى جوارك شخص لا تعرفه، وبعد ساعات قليلة تصبحان صديقين. يتقاسم الركاب الطعام والشاي والقصص والأخبار، وكأن عربة القطار بيت سوداني كبير يجمع الجميع تحت سقف واحد.

كان للقطار موسيقاه الخاصة أيضاً. هدير محركات الديزل، وصوت احتكاك العجلات بالقضبان، وصفارة الانطلاق التي يسمع صداها من بعيد. أما قاطرات البخار القديمة فكانت أسطورة قائمة بذاتها، تنفث الدخان الأسود إلى السماء وتطلق أصواتاً مميزة لا تزال تسكن ذاكرة كل من عاصرها.

في رحلات الشمال كانت الصحراء تمتد بلا نهاية، وتظهر القرى الصغيرة كواحات وسط الرمال. وفي الشرق كانت الجبال تلوح من بعيد قبل الوصول إلى بورتسودان. أما الغرب فكانت سهوله الواسعة ووديانه تمنح الرحلة جمالاً خاصاً، بينما كان الجنوب يستقبل المسافرين بالخضرة والمياه والقرى الوادعة.

كان القطار أكثر من وسيلة نقل؛ كان مدرسة للتعارف، وجسراً للوحدة الوطنية، وشرياناً اقتصادياً يحمل منتجات المزارعين والتجار إلى الأسواق في مختلف أنحاء البلاد. كان يجمع أهل السودان بمختلف قبائلهم ولهجاتهم وثقافاتهم في رحلة واحدة ومصير واحد.

واليوم، عندما أقف أمام محطة صامتة أو أشاهد قضباناً غطاها الصدأ، أشعر بحزن عميق على زمن مضى. فقد كانت السكة الحديد السودانية مفخرة وطن، ورمزاً للتقدم والتنظيم والوحدة. سكتت الصفارات التي كانت توقظ المدن فجراً، وتوقفت القطارات التي كانت تنبض بالحياة، لكن ذكرياتها ما زالت حية في وجدان السودانيين.

لقد رحلت القطارات أو كادت، غير أن الحنين إليها لم يرحل. وما زال كثيرون يحلمون باليوم الذي تعود فيه صفارة القطار لتشق سماء السودان من جديد، معلنة عودة شريان الحياة إلى وطن طال انتظاره.

فالسكة الحديد لم تكن مجرد قضبان وعربات وقاطرات، بل كانت قصة وطن كامل، كتبت فصولها فوق الحديد، وحفظتها ذاكرة الأجيال، وستظل شاهدة على زمن جميل لن يغيب عن القلوب مهما طال الغياب.

صحيفة كفر و وتر الإلكترونية

صحيفة كفر و وتر الإلكترونية ،صحيفة إخبارية رياضية شاملة تسعى لتكون من الصحف ذات الجودة في الخبر والمعلومة والتغطيات الإعلامية بكادر يسعى ليفرض نفسه على الساحة الإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من صحيفة كفر و وتر الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading