آراء وأصداء

خليل فتحي خليل يبحث عن نبض الناس العنقريب السوداني… حكاية خشبٍ وحبالٍ تحفظ ذاكرة الوطن

-

خليل فتحي خليل

يبحث عن نبض الناس

 

العنقريب السوداني… حكاية خشبٍ وحبالٍ تحفظ ذاكرة الوطن

 

من بين مفردات التراث السوداني التي ظلت صامدة أمام تغيرات الزمان وتبدل أنماط الحياة، يبرز “العنقريب” بوصفه أكثر من مجرد سرير للنوم أو الاستراحة، فهو قطعة من التاريخ الاجتماعي والثقافي للسودانيين، ورفيق دائم لحياتهم اليومية في المدن والقرى والبوادي. وما إن يُذكر العنقريب حتى تتداعى إلى الأذهان صور البيوت السودانية القديمة، والجلسات العائلية تحت ظلال الأشجار، وأحاديث المساء التي كانت تنسجها الأمهات والجدات في فضاءات عامرة بالمحبة والألفة.

العنقريب في أصله سرير مصنوع من الخشب القوي المتين، تُشد بين أطرافه حبال أو سيور من الجلد أو الليف أو المواد المتاحة في البيئة المحلية، بطريقة هندسية دقيقة تمنحه المتانة والمرونة في آن واحد. وقد عرفه السودانيون منذ أزمان بعيدة، وأصبح جزءاً أصيلاً من تفاصيل حياتهم اليومية، حتى ارتبط اسمه بالراحة والكرم وحسن الضيافة. ففي كثير من البيوت كان العنقريب أول ما يُجهز لاستقبال الضيف، وأفضل مكان يجلس عليه كبير الأسرة أو شيخ الحي.

تميز العنقريب السوداني بقدرته على التكيف مع طبيعة المناخ الحار، إذ تسمح فراغات النسج بمرور الهواء، مما يجعل النوم عليه أكثر راحة من كثير من الأسرة الحديثة، خاصة في المناطق الريفية وشبه الصحراوية. ولذلك لم يكن مجرد قطعة أثاث، بل كان حلاً عملياً ابتكره الإنسان السوداني بما يتوافق مع بيئته واحتياجاته.

وفي الريف السوداني كانت صناعة العنقريب مهنة يتوارثها الحرفيون جيلاً بعد جيل. يبدأ العمل باختيار الأخشاب المناسبة ثم تشكيل القوائم والإطار الخارجي بعناية، قبل أن تأتي مرحلة النسج التي تتطلب مهارة وصبراً ودقة كبيرة. وكان الحرفي الماهر يُعرف من جودة النسج وتناسق الحبال وقوة التحمل التي يتميز بها العنقريب الذي يصنعه.

ولم تقتصر أهمية العنقريب على وظيفته الأساسية في النوم والراحة، بل كان جزءاً من المناسبات الاجتماعية المختلفة. ففي الأفراح والمناسبات الأسرية يُستخدم للجلوس أو للزينة، وفي المناسبات العامة يُنقل إلى ساحات الاحتفال ليكون شاهداً على لقاءات الناس وأفراحهم. كما ارتبط العنقريب بالذاكرة الشعبية والأمثال والحكايات والأغنيات السودانية التي وثقت جوانب كثيرة من الحياة اليومية.

ومن أبرز صور حضور العنقريب في الثقافة السودانية ما يعرف بـ”عنقريب الجرتق”، ذلك العنقريب الذي يحتل مكانة خاصة في مراسم الزواج السوداني التقليدي. ففي ليلة الجرتق، وهي من أهم طقوس الزواج وأكثرها ارتباطاً بالتراث، يُجهز عنقريب خاص يزين بأقمشة فاخرة وألوان زاهية، ويُعد مسرحاً رمزياً يجلس عليه العروسان وسط الأهل والأصدقاء. ويعكس هذا العنقريب جمال الموروث السوداني وثراء رموزه الاجتماعية، إذ يتحول من قطعة أثاث بسيطة إلى رمز للفرح والاستقرار وبداية حياة جديدة.

ومع مرور الزمن شهد العنقريب تطوراً كبيراً في شكله ومواد صناعته. فقد دخلت عليه أنواع جديدة من الأخشاب، كما استُخدمت الحبال الصناعية والخامات الحديثة التي زادت من متانته وأطالت عمره الافتراضي. وظهرت تصاميم متنوعة تجمع بين الأصالة والحداثة، فأصبح العنقريب قطعة فنية تزين المنازل والاستراحات والمنتجعات، وليس مجرد وسيلة للنوم فقط.

ورغم انتشار الأسرة الحديثة بمختلف أشكالها، ظل العنقريب محتفظاً بمكانته في وجدان السودانيين. فكثير من الأسر ما زالت تفضله لما يوفره من راحة وتهوية طبيعية، ولما يحمله من معانٍ وجدانية تربط الحاضر بالماضي. بل إن بعض السودانيين في المهجر يحرصون على اقتناء العنقريب أو الاحتفاظ بصورته كتعبير عن الحنين إلى الوطن وذكريات الطفولة وأيام الأهل.

إن العنقريب السوداني ليس مجرد صناعة تقليدية أو قطعة أثاث عادية، بل هو سجل حي يحكي قصة مجتمع عرف كيف يستفيد من موارده المحلية ليبتكر ما يلبي حاجاته ويعبر عن هويته. وفي كل خيط من خيوط نسجه، وفي كل قطعة خشب من أجزائه، تكمن حكايات أجيال عاشت وبنت وأسهمت في تشكيل ملامح الثقافة السودانية الأصيلة.

ويبقى العنقريب شاهداً على عبقرية الإنسان السوداني وبساطة حياته وعمق ارتباطه بتراثه، وسيظل رمزاً من رموز الهوية الوطنية التي تستحق الحفظ والتوثيق والتوريث للأجيال القادمة، حتى تبقى هذه القطعة التراثية الجميلة نابضة بالحياة في ذاكرة السودان وأهله، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الوسائل.

صحيفة كفر و وتر الإلكترونية

صحيفة كفر و وتر الإلكترونية ،صحيفة إخبارية رياضية شاملة تسعى لتكون من الصحف ذات الجودة في الخبر والمعلومة والتغطيات الإعلامية بكادر يسعى ليفرض نفسه على الساحة الإعلامية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من صحيفة كفر و وتر الإلكترونية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading