لماذا ريجكامب؟!

-
لماذا ريجيكامب؟.. قراءة في فلسفة “المرونة التكتيكية” وتحولات الهلال
كتب : د. أحمد الصديق أحمد البشير
…
في عالم التدريب الحديث، لا يُقاس النجاح فقط بالنتائج الرقمية اللحظية، بل بمدى قدرة المدرب على إحداث نقلة نوعية في “الهوية التكتيكية” للفريق. ما قدمه الروماني لورينتيو ريجيكامب مع الهلال يتجاوز مفهوم الفوز والخسارة؛ إنه مشروع لإعادة صياغة هيكلية الفريق وفق منظور يدمج بين الجرأة الهجومية والواقعية المرنة.
#أولاً: التحول الهائل في تنظيم اللعب (Tactical Flexibility)
أحدث ريجيكامب تحولاً جوهرياً في كيفية إدارة المساحات، حيث اعتمد على مفهوم التكامل بين التنظيمين الدفاعي والهجومي. في فلسفته، لا ينفصل الدفاع عن الهجوم؛ بل هما عملية مستمرة تظهر بوضوح في:
1. عملية البناء (Build-up Phase): التحول من البناء التقليدي الطولي إلى البناء المتدرج الذي يستهدف كسر خطوط الضغط العالي للمنافس.
2. عملية التحول (Transition): السرعة الفائقة في إعادة التموضع عند فقدان الكرة، والتحول من الحالة الدفاعية إلى الهجومية بأقل عدد من التمريرات العرضية، والتركيز على التمرير العمودي.
#ثانياً: الأدوات المتاحة ومعضلة “العناصر الناقصة”
امتلك ريجيكامب “ترسانة” نوعية ساعدته في تطبيق أفكاره، تمثلت في خماسي ذو خصائص بدنية وفنية عالية:
فريد وايبويلا ولوزولو: في تفعيل الأطراف ومنح الزيادة العددية.
جان كلود واداما كوليبالي: في ضبط إيقاع التحولات ومنح الصلابة في الصراعات الثنائية.
التحليل الفني للفجوة: رغم جودة العناصر المذكورة، إلا أن المنظومة اصطدمت بنقص حاد في “بروفايل” اللاعب القادر على الخروج بالكرة من قلب الدفاع. الهلال يمتلك مدافعين بصبغة دفاعية بحتة، بينما يحتاج فكر ريجيكامب إلى مدافع بمواصفات (Ball-playing Defender) يساند الأظهرة في فتح زوايا التمرير.
كذلك في المركز (6)، لم يفتقر الفريق للأدوار الدفاعية، بل افتقر للاعب “المحطة” الذي يربط خط الظهر بالهجوم، ويساهم في تطوير البناء الهجومي تحت الضغط، وهو ما جعل العبء التكتيكي يزداد على قلبي الدفاع.
#ثالثاً: بين الجرأة الهجومية والواقعية التكتيكية
يتميز ريجيكامب بقدرة فائقة على تسيير المباراة وفق المتاح، فهو مدرب يملك “الجرأة” لفرض أسلوبه، لكنه يمتلك أيضاً “الواقعية” لتعديل أوتار الفريق بناءً على قوة المنافس.
هذا المزيج هو ما يمنح الهلال شخصية البطل التي لا تنكسر بسهولة أمام الكبار.
#رابعاً: عاطفة الهزيمة مقابل منطق الاستمرارية :
إن تقييم المدرب من خلال “عدسة الهزيمة” هو قصر نظر تكتيكي. الهزيمة غالباً ما تكون نتيجة تفاصيل صغيرة أو غياب أدوات محددة، وليست بالضرورة فشلاً في المنهج.
لو كان الأمر يُقاس بالنتائج اللحظية، لتمت التضحية بأسماء كبرى غيرت وجه كرة القدم:
بيب غوارديولا: عانى في بداياته مع مانشستر سيتي من فجوات في الأظهرة وقلب الدفاع، ولو تمت إقالته حينها بدافع الغضب، لما وصل السيتي إلى قمة الهرم الكروي العالمي.
#الخلاصة
استمرار ريجيكامب ليس مجرد خيار فني، بل هو ضرورة استراتيجية. الفريق الآن في مرحلة “النضج التكتيكي”، وما يحتاجه ليس هدم المعبد والبدء من الصفر، بل تدعيم النواقص في قلب الدفاع ومحور الارتكاز الهجومي لاكتمال اللوحة.
إن إقالة مدرب أحدث هذا الحجم من التنظيم هي جريمة فنية تُرتكب في حق مستقبل الفريق.


