بالنيل الابيض المنبر الدوري الإعلامي… حين يتحول الإعلام إلى شريك في التنمية ويصبح المستشار الناجح صانعًا للجسور

-
بالنيل الابيض المنبر الدوري الإعلامي… حين يتحول الإعلام إلى شريك في التنمية ويصبح المستشار الناجح صانعًا للجسور
بقلم: خليل فتحي خليل
ليس كل مشروع إعلامي يُكتب له النجاح، وليس كل مسؤول ينجح في بناء علاقة متوازنة مع الإعلام، فالمسألة ليست مؤتمرات صحفية تُعقد، ولا بيانات تُوزع، وإنما هي رؤية متكاملة تؤمن بأن الإعلام شريك في صناعة الوعي، ورافعة من روافع التنمية، وجسر يعبر من خلاله المواطن إلى الحقيقة. وعندما تتوفر هذه الرؤية، تتحول الفكرة إلى مشروع، ويتحول المشروع إلى تجربة ملهمة تستحق التقدير والاحتفاء.
في ولاية النيل الأبيض، برز مشروع المنبر الدوري للمستشار الإعلامي لوالي الولاية الأستاذ الحاج أحمد المصطفى بوصفه تجربة مختلفة، نقلت العلاقة بين مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام من دائرة المناسبات إلى فضاء العمل المؤسسي المنظم، حيث أصبحت المعلومة تصل إلى الصحفي من مصدرها، وأصبح المسؤول يجلس أمام الإعلام بثقة، يشرح، ويوضح، ويجيب، ويستمع، في مشهد يعكس احترامًا للرأي العام وإيمانًا بأن الحقيقة لا تخشى الضوء.
لقد ظل الإعلام، عبر سنوات طويلة، يطالب بأن تكون أبواب المؤسسات الحكومية أكثر انفتاحًا، وأن تتاح المعلومات في وقتها، لأن غياب المعلومة يفتح المجال للشائعات، ويمنح التأويلات مساحة أوسع من الحقائق. ومن هنا جاءت أهمية هذا المنبر، الذي أسس لثقافة جديدة تقوم على المكاشفة والشفافية، وتجعل من الحوار وسيلة لفهم الواقع، لا ساحة للمواجهة أو تبادل الاتهامات.
وما يلفت الانتباه في هذه التجربة أنها لم تُصمم لخدمة مؤسسة بعينها، وإنما جاءت لتشمل جميع مؤسسات الدولة بالولاية، حتى أصبح المنبر مساحة رحبة تستعرض فيها الوزارات والإدارات والهيئات خططها ومشروعاتها وإنجازاتها وتحدياتها، بحضور كثيف للصحفيين والإعلاميين ومراسلي الإذاعات والقنوات الفضائية والصحف الورقية والإلكترونية، في صورة تعكس حيوية المشهد الإعلامي بالنيل الأبيض، وتؤكد أن الولاية تمتلك طاقات إعلامية قادرة على صناعة محتوى مهني متى ما توفرت لها المعلومة الصحيحة.
إن قيمة هذا المنبر لا تكمن فقط في تقديم المعلومات، وإنما في ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول. فالصحفي لا يبحث عن الإثارة بقدر ما يبحث عن الحقيقة، والمسؤول الواثق من مؤسسته لا يخشى الأسئلة، بل يعتبرها فرصة لتوضيح الحقائق وتصحيح المفاهيم. وهنا تتجلى حكمة الإدارة الإعلامية الناجحة، التي تدرك أن الإعلام ليس خصمًا للحكومة، وإنما شريك في نجاحها عندما تتوفر له المعلومة الدقيقة.
لقد استطاع الأستاذ الحاج أحمد المصطفى أن يقدم نموذجًا للمستشار الإعلامي الذي يفكر بعقل المؤسسة، ويتحدث بلغة الإعلام، ويؤمن بأن نجاحه يقاس بقدرته على بناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع. فالمستشار الناجح ليس من يزين الأخبار، بل من يصنع بيئة إعلامية صحية، يكون فيها الحوار هو الأصل، والشفافية هي القاعدة، والمعلومة الدقيقة هي الوسيلة لمحاربة الشائعة.
ولا يمكن لأي مراقب أن يتجاهل الأثر الذي بدأ يتركه هذا المنبر على الأداء الإعلامي داخل الولاية. فقد أصبحت الأخبار أكثر دقة، وتراجعت مساحة الاجتهادات غير المستندة إلى مصادر رسمية، وأصبح الإعلامي يجد فرصة مباشرة لطرح الأسئلة التي تشغل الرأي العام، والحصول على الإجابات من أصحاب القرار، وهو ما يعزز ثقة المواطن فيما يُنشر ويُبث عبر وسائل الإعلام.
ومن زاوية أخرى، فإن المنبر يمثل مدرسة في التواصل المؤسسي الحديث، لأنه يجعل المسؤول قريبًا من الناس عبر الإعلام، ويمنح المواطن فرصة لمعرفة ما يجري داخل مؤسسات الدولة، وما تحقق من إنجازات، وما تواجهه تلك المؤسسات من تحديات، فالتنمية ليست طريقًا مفروشًا بالورود، وإنما عمل يومي يحتاج إلى الصبر، وإلى شراكة حقيقية بين الحكومة والإعلام والمجتمع.
إننا اليوم في أمسّ الحاجة إلى تعميم مثل هذه التجارب، لأن بناء الأوطان لا يقوم على العمل التنفيذي وحده، وإنما يحتاج أيضًا إلى إعلام مسؤول يشرح، ويحلل، وينقل الحقائق، ويعزز الثقة، ويحصن المجتمع ضد الإشاعات. فكلما اقترب الإعلام من مصادر القرار، اقترب المواطن من الحقيقة، وكلما حضرت الحقيقة، تراجعت الشائعة، وارتفع منسوب الوعي العام.
ولعل أجمل ما في هذا المشروع أنه أعاد الاعتبار لفكرة الحوار المباشر، ورسخ قناعة بأن المسؤول الناجح هو من يفتح الأبواب، لا من يغلقها، وأن الإعلام الحقيقي هو الذي يضيء الطريق أمام الناس، لا الذي يكتفي بنقل الأخبار دون فهم أو تحليل. وهذه هي الرسالة التي يبدو أن المستشار الإعلامي لوالي النيل الأبيض قد وضعها نصب عينيه منذ انطلاق هذا المنبر.
ويبقى الأمل كبيرًا في أن تتواصل هذه المبادرة، وأن تتطور لتصبح منصة استراتيجية تناقش قضايا التنمية والخدمات والاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والبنية التحتية، وأن تتحول إلى مرجع إعلامي دائم يعزز الشفافية ويكرس ثقافة الحوار المؤسسي، لتصبح ولاية النيل الأبيض نموذجًا يحتذى به في التواصل بين الحكومة والإعلام.
وفي الختام، فإن الكلمات لا تُكتب مجاملة، وإنما تُقال إنصافًا للتجارب التي تستحق الوقوف عندها. والمنبر الدوري للمستشار الإعلامي لوالي النيل الأبيض الأستاذ الحاج أحمد المصطفى يمثل خطوة واثقة في الاتجاه الصحيح، وتجربة تؤكد أن الإعلام حين يجد من يؤمن برسالته، يتحول إلى قوة ناعمة تبني ولا تهدم، وتوحد ولا تفرق، وتزرع الثقة بدلًا من الشك. إنها تجربة تستحق الدعم والتطوير والاستمرار، لأنها لا تخدم الإعلام وحده، بل تخدم المواطن أولًا، وتعزز أداء مؤسسات الدولة، وترسم ملامح مستقبل إعلامي أكثر مهنية وشفافية، حيث يكون الإعلام شريكًا في التنمية، ويكون المستشار الناجح بحق صانعًا للجسور بين الدولة والمجتمع.





