المناصب والكراسي تغير البعض… ولمن دام المنصب مشاهدات بقلم: خليل فتحي خليل

-
المناصب والكراسي تغير البعض…
ولمن دام المنصب
مشاهدات بقلم:
خليل فتحي خليل
ليست المشكلة في المنصب، وإنما في الإنسان الذي يظن أن المنصب قد صنع له قيمة لم تكن فيه. فكم من أشخاص كانوا بالأمس يجلسون بين الناس ببساطة، يبادلونهم السلام والابتسامة، ويقفون معهم في الأفراح والأتراح، وما إن جلسوا على كرسي مسؤولية حتى تبدلت الوجوه، وتغيرت اللهجات، واختفت المودة، وكأنهم لم يعرفوا أبناء حيهم يوماً.
هناك من يظن أن المدير يجب أن يكون بعيداً عن الناس، عابس الوجه، قليل الكلام، لا يرد على الهاتف، ولا يلتفت لمن كانوا يوماً سنداً له. وإذا صادف أحداً من أهل حيه مرّ بجواره وكأنه يراه لأول مرة. إنها صورة مؤلمة، لا تليق بمن يحمل مسؤولية، لأن المنصب الحقيقي يزيد صاحبه تواضعاً، ولا يزيده غروراً.
إن بعض الناس يصابون بما يمكن أن نسميه “وهم الكرسي”، فيعتقدون أن المنصب دائم، وأن الناس لن تتذكر منهم إلا اللقب والمكتب والسيارة. والحقيقة أن كل ذلك يزول، ويبقى في الذاكرة خلق الإنسان وأدبه واحترامه للآخرين. فالناس لا تتحدث بعد سنوات عن حجم المكتب، بل تتحدث عن رجل كان يفتح بابه للجميع، ويجيب على الهاتف، ويبتسم قبل أن يتحدث.
ومن المؤسف أن نجد من يحمل أعلى الشهادات، لكنه يعجز عن قول كلمة طيبة، أو رد اتصال، أو استقبال مواطن باحترام. فالعلم الحقيقي يهذب الأخلاق، ولا يصنع التعالي. أما الغرور فهو دليل ضعف في الشخصية، ومحاولة لتعويض نقص داخلي لا يعالجه منصب ولا لقب.
لقد علمتنا الحياة أن الكراسي لا تدوم لأحد. كم من مسؤول كان الناس ينتظرون الإذن لمقابلته، ثم انتهت فترة تكليفه، فعاد يبحث عن وجوه الذين أعرض عنهم. عندها يدرك أن المنصب كان عابراً، أما العلاقات الإنسانية فهي الباقية.
أيها المسؤول… لا تجعل بينك وبين الناس أسواراً من الكبرياء. تذكر أنك كنت واحداً منهم، وستعود إليهم. فلا تتكبر على جارك، ولا تتجاهل ابن حيك، ولا تجعل هاتفك مغلقاً أمام أصحاب الحقوق والمودة. فالاحترام لا يُمنح بالقرار الإداري، وإنما يُكتسب بحسن المعاملة.
اخيرا، نقول لكل من جلس على كرسي مسؤولية: تواضع، فالتواضع يرفع صاحبه، وأحسن إلى الناس، فالكلمة الطيبة صدقة، والابتسامة لا تكلف شيئاً، والرد على الناس لا ينتقص من هيبتك، بل يزيدك احتراماً في قلوبهم. واعلم أن المناصب مراحل مؤقتة، أما السيرة الحسنة فهي المنصب الذي يبقى مع الإنسان حتى بعد أن يغادر كل الكراسي.




