• ×

نحن كدة

نظر إليها ، فإتسعتْ حدقتاه.
شعر بأن صورتها قد إنحشرتْ في زوايا عينيه ،،
ودَّ لو يحبسها في قمقم و يغلق عليها الغطاء.
تمنى أن تقبع داخل محجريه
فيغمض عينيه فيراها متوهجة داخله و كأنها تترقرق وسط كرة كريستالية لا يراها إلا هو
إبتسمتْ له إبتسامة عريضة دون أن تعرف إلى أي حد إنفرجتْ شفتاها.
و رمقته بنظرة ،،
فنسي توبيخ أبيه له اليوم ، عندما عرف أنه جمَد سنته الدراسية،
و نسي ( المطرقة ) التي هوتْ بها فتاته السابقة فأدمتْ رأسه و قلبه ، مطرقة و لا ككل الشواكيش.
و نسي أنه دفع آخر ما يملك في فاتورة ( فطور ) دسم لشلة من البنات هذا الصباح ، و أنه ربما رجع لبيته مشيا على الأقدام.
نسى كل شيء و ذاب في الصورة و اللحظة.
كستْ روحه مسحة من الطمأنينة و الراحة ، و حطَتْ على وسادة من الأمان الداخلي ، و تمدَدتْ على تلة من رمال الأمل الذي يدغدغ كل ذرة في كيانه.
قال لها : بصوت مرتجف ، و هو يخاف أن تصده :
صباح الخير . كيف ............. ؟
و لم تعرف هي عن ( كيفية ) ماذا يسألها.
فقالت له و هي تطلق ضحكة كلها غنج و دلال : صباح النور
فإنبثق نور من دواخله غمر كل إحساسه ،،
و شعر أنه ( مخدَر ) تماما ، و أحس بحرارة تلسع نافوخه ،، فتصبب عرقا.
جلسا سويا على المقعد الإسمنتي ، فأحس كأنه مقعد وثير.
تحادثا طويلا ،، يتكلم دون إنقطاع.
تعبث بيد حقيبتها و بالجوال الأنيق .
و يعبث بمفتاح ( درج دولابه ) الذي يشاركه فيه أخوه الأصغر.
تصلح من هندامها و من خصلاتها الشاردة على جبينها. فينظر إلى حذائه المليء بالغبار ، يرجع رجليه للوراء في محاولة لإخفاء جواربه المثقوبة من الجوانب.
تبلل شفتيها بلسانها بين الفينة و الأخرى و كأنها غير واثقة من نداوتهما.
يقضم أظافره حتى وصل ( اللحم الحى ).
قالت أن أخاها سيحضر ليأخذها للبيت ( بالكامري ) ، و تريد أن تخبره بأن لا يأتي حتى يستطيع هو أن يقوم بتوصيلها.
تحسس جيوبه التي ينعق فيهما البوم ،،
قال كاذبا : عربيتي في الورشة
قالت إنها عطشى .
تجاهل طلبها ،، فهو يعلم أن صاحب البوفيه لن يعطيه ( قطرة ماء ) حتى يسدد ما عليه من ديون.
إستعمل كل مهاراته الكلامية ،، و حديثه العذب في أن يجعلها تصرف النظر عن العطش و عن دعوتها إلى مطعم فاخر.
قامت مستأذنة.
قال : متى أراك ؟
قالت : أنا كل يوم هنا
في الغد ،، أتى و هو ينتعل حذاء صديقه بعد أن وعده بأنه سيمشي به على مهل ، و أنه سيتحاشى الإرتطام بالحجارة ،
و سيتجنب كل المياة المدلوقة على قارعة الطريق.
في جيبه تقبع بضع جنيهات تكفي لكوبين من العصير و ساندويتشين و جولة قصيرة ( بالركشة ).
رآها تجلس في عربة فارهة بالقرب من شاب أنيق ، و رأسيهما قاب قوسين أو أدنى من الإلتحام.
إقترب منها ،، ثم إنحنى كما جرسونات فندق خمسة نجوم و قال لها : صباح الخير ،، ممكن تنزلي نقعد هناك في محل أمبارح؟.
نظرت إليه نظرة ملأته شكا و ريبة.
قالت له : شنو قلة الذوق دي ،، مش شايفني قاعدة مع واحد و بتكلم معاه.
ثم نظرتْ إليه نظرة ذات مغزى .
نظرة تعني ( أمشي من هنا )
فبهت الذي إنساق وراء أوهامه.
فتحت باب السيارة و قالت له بصوت أحس فيه كل لؤم الدنيا : إنت عارف منو القاعد في العربية دة؟ أنا و هو تقريبا مخطوبين.
و لم يطرف لها جفن و هي تنتزع أحشاء أمله الوليد .
فضحك ضحكة هستيرية لفتتْ إنتباه الجالسين و الجالسات .
لم يأبه للذين يحملقون فيه.
كرر ضحكاته بوتيرة تصاعدية ، و هو يتلفت وراءه كالمأخوذ .
و مضى بعيدا و هو غير عابيء بحذاء صاحبه ،، ركل كل حجر صادفه ،،
و ركل أرجل المقاعد الأسمنتية ،،
و تعمد المشي على كل المياة المتناثرة هنا و هناك.
و لعن أشياءا كثيرة في سره ... طالتْ أشياءاً و أناساً ...
امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  5.6K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات