• ×

نحن كدة

يوم الإثنين يبدو أنه كان يوماً حافلاً في دواخل أبن خالتي( جبارة ) ...
ليته دوَّن احساسيسه ومشاعره ذاك اليوم ...
و لكنه تصرف كـ ( جبارة ) تماماً ... كما عهدناه منذ صغره ..
حبس ما يحس به .. و أفرغه على من حوله و أضفى علي كل هذا و ذاك من شخصيته المشرورة على الدنيا وأهله فيها ..
أتصل ذاك اليوم بزوجته و أولاده بالسودان و قال لهم : أنا مشتاق شديد
قالها بطريقة غير معتادة ...

و كعادته .. يختم كل المواقف بضحكة ساخرة ... و القريبون منه يلاحظون تلك الإبتسامة التي تغمر كل وجهه .. غاضباً كان أم فرِحاً ..
ثم أتصل بأحد الأقرباء بالسودان و أوصاه بأمور دنيوية تخص إستحقاقاته بوزارة الزراعة التي كان مهندساً بها ..
ثم إنطلق من الرياض إلى ( وادي الدواسر ) بسيارته الصغيرة إلى مكان عمله ..


يوم الثلاثاء صباحاً جاءني صوت أخي حزيناً : جبارة مات في حادث ...

مشكلتي أنني لا أبكي وقت الفواجع ..
أحياناً أخدع نفسي بالتشاغل بأي شيء للهروب بعيدا عن الحدث المحزن ..
لا أحب حتى أن أخوض في تفاصيله . أخاف أن أغرق في الحزن و لا أقدر على النجاة..
تعاندني دمعاتي .. تتصلب في المآقي و تُقسِم ألا تنزل لتلطف بعض الحزن الساكن في الجوف ...

إتصلت بأخيه محمد .. وجدته صابراً محتسباً ..رغم رنّة الحزن
اتصلت بأخيه نزار .. وجدته أصلب عودا ..
و إتصلت بأخته ( إحسان ) ... فكان الحزن مندلقاً نحيباً لم تشفع لدموعي أيضاً بالنزول ..
لا أستطيع حتى على إخراج كلمات المواساة..
أخته ( فريال ) بكتْه نادبة بأسلوب الحبوبات القديم : يا سندنا و إتكالْنا ...

لم أقدر على الاتصال بالسودان معزياً ... أخاف أن أسمع بكاءاً فتخذلني دمعاتي ..
أكتب هذا و حروف الكيبورد غارقة في بعض دمعي الذي تكرم و جاد علي الآن فقط ..
غريب أمري و الله ..

المهندس جبارة مختار
خريج جامعة الخرطوم
أتى للسعودية قبل بضع سنوات ..
عمل في شركة زراعية ..
ذات يوم تعب من العمل فقال للمهندس المصري زميله : بروح أرتاح في البيت و أرجع ..
فقال له المصري : ليه تتعب نفسك رايح و جاي .. خدْلَك تعسيلة تحت الشجرة دي ..
فنام جبارة قرير العين .. واثقاً بأن أمة محمد ( كالجسد الواحد ) ...
فأتي المصري بصاحب العمل و قال له : شوف السوداني نايم وقت العمل و في مكان العمل.
فغادروه للسودان ...
غادر و هو يضحك مندهشاً من هذا التصرف ... أو على هذا الدرس الجديد الذي كلفه الكثير ..
مكث في أهله قليلاً ...
ثم أتى للعمل مرة أخرى للسعودية ...
بالطبع لا يدري أن الله قد أتى به لمكان موته و دفنه ...
القبر ينادي صاحبه ...
و الموت يدغدغ عقل الإنسان الباطن ...
فيودع أحبابه دون قلق ... و دون أن يشعر بأن ما يقوم به هو وداع مبطن بالرحيل ...

رحل جبارة في صمت ... على غير نمط حياته الصاخبة بالفرح الذي كان يزرعه ... و ضحكته المجلجلة و مشاغباته التي لا تنتهي.
مات بعيداً عن أسرته ... و عن أقاربه بالرياض ...


امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  5.7K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات