• ×

نحن كدة

العمدة
***

العمدة ( جابر ) رجل فنجري بكل ما تحمل الكلمة من معنى ..
)ديوانه *(المطل على النيل قِبْلة للسابلة.
ضيوفه لا ينقطعون.
به صرامة تكف عنه تطاول المتطاولين.
و لكنه لا يكف عن المزاح الممزوج بضحكة متجهمة لا تمتد لأكثر من إنفراجة فمه.
منحه الله بسطة في الجسم و العقل و الطين الموروث و النخل المغروس.
و كتقاليد متعارف عليها في كل القرى فإن صلاحية العمدة تمتد إلى كل وشائج الأهالي ..
فهو المستشار في الزواج و هو أول الأجاويد في الخلافات و هو مستودع أسرار الجميع.
يعيب عليه الناس شربه للخمر كل ليلة ..
و رغم أنه لا يخرج بعد صلاة العشاء إلا فيما ندر ، عملاً بـ ( إذا بليتم فاستتروا ) ، إلا أن أهل القرية يعرفون أنه يعاقر المنكر في عقر داره ..
عندما ينقطع معين الخمر من ( سالم ) و ( رزق ) .. يتمتم سالم :
حسع تلقى )عشا البايتات *( )واقف لمبة(* و ضارب )القراصة(* )بي سمنة (* و ....
ثم يصمت ...
فيقول ( رزق ) مبتسماً : مالك وقفت ؟ كمل كلامك ........ إنت ما عندك الســمن و العجين و الدوكة* و مرتك ، قوم عليهن و سوي* سواة* العمدة
ثم ينفجر ضاحكاً و هو يغالب سعالاً مزمناً ..
يراقبان ( عباس ) و هو يتسـلل خلســة إلى منزل العمدة و هو يحمل ( جــالون العــرقي* ) ملفوفاً في ( شوال* ) قديم.
حينها .. يعرفون أن العمدة لا يمكن مقابلته بعد دخول ( عباس ) جالب المزاج ..
يقف الناس محتارين أمام هيبة العمدة و شراسته مع زوجته الصابرة ( صفية ) ..
فهو ذو بال طويل مع كل الناس إلا مع ( صفية ) ..
رغم أن العمدة لم ينجب منها .. إلا أنه لم يفكر في الزواج من أخرى ..
و يتهامس أهل القرية أيضاً في هذا الأمر ..
و ( صفية) تقول عنها بعض النساء أن بها بعض الصلاح ورثته عن جدها من أمها .. الشيخ المدفون في القبة القديمة عند مشارف القرية ..
يحتدم بينهما النقاش دائماً بسبب تصرفه في ما ورثته من أطيان و نخيل من والدها العمدة السابق للقرية ..
عندما طلقها أول مرة بسبب إصرارها على توكيل شقيقها لإدارة أملاكها .. أشفق الناس عليه كثيراً ..
فها هو هادي القوم و كبير أجاويدهم يحتاج إلى تدخلهم لإرجاع زوجته ..
تقول له معاتبة : مو* عيب عليك يا العمدة .. تفرج فينا خلق الله ؟
يتمتم : معليش يا صفية .. الشيطان شاطر
تقول بغيظ : الشيطان دة ما يجيك إلا وكت* نطرا* سيرة واطاتي* و نخلي ؟
يتفادى الإثنان سيرة الطلاق الأول .. و كل ما يرتبط به من مسببات.
و تتهادى سفينة الحياة .. بلا صخب غير تفاصيل أيام القرية الرتيبة ..
و لكن سرعان ما يفور تنور الغضب في صدر العمدة ..
فقد باعت صفية سبع شوالات* من البركاوي* من حر نخلاتها دون أن تخبره ..
هاج و ماج و صار كالثور في مستودع الخزف في عقر ( حوشه ) ..
خلاص يا صفية ؟ بقيتي الآمرة الناهية عشان تمرك و نخلاتك ؟
آآآي .. أنا حرة في حقي ..
طيب كان تقولي لى .. لأنو أنا ماخد تمن الشوالات من تجار
إنت مخير ..
و كان الطلاق الثاني ...
عندما نجحتْ مساعي الأجاويد في إعادة المياه إلى مجاريها ...
كان من ضمن شهود جلسة الأجاويد ضيف أتى بليلٍ لا يعرفون وجهته أو مصدر قدومه ..
إلا أن سيماء الوقار و تجويده للقرآن و صوته العذب الحلو أجبر الناس على عدم سؤاله ..
و كأنّ شيئاً ألجم ألسنتهم جميعا بما فيهم العمدة فلم يسأل عن هذا الغريب و لم هو في ديوانه ..
أتى يحمل صرة ملابسه فقط .. و سبحة من اللالوب* يطقطقها طول الوقت بلا إنقطاع ..
قليل الكلام ..
يرد على السؤال بقدر معلوم ..
و لكن أسئلة الناس عن كنهه لم يخرج إلى العلن ..
الزول دة ولي* ؟
الله أعلم ..
تصدق أبى* ينوم في ديوان العمدة و نايم في المسيد متوسد البقجة حقتو ..
عندما علا صراخ العمدة و صفية ذلك الصباح .. كان الغريب وسط النهر .. لا يظهر غير رأسه .. يَعُب الماء عباً ..
ناداه ( تاج السر ) :
يا شيخنا .. ألحقنا .. العمدة طلق صفية الطلقة التالتة ..
لم يرد عليه بل واصل الغطس و الطفو و كأن الأمر لا يعنيه ...
ذاك المساء .. تجمهر أجاويد القرية واجمين ..
و العمدة يبدو عليه أنه لأول مرة قد إحتسى الخمر و هو يعرف أنه سيقابل هذا الجمع ..
قال ( ود جبر الله ) : يا أخوانا الحكاية ما عاوزة لف و دوران .. لازم نتصرف ..
كيفن* ؟
الحكاية ما عاوزة سؤال .. يعقد عليها واحد مننا و يطلقا من باكر .. و بس ..
تبادل الحضور النظرات الحائرة ..
و العمدة يرنو إليهم بعين محمرة ..
عندما إنقضتْ عدة الأشهر المعلومة .. كان الأجاويد قد قرروا مفاتحة العمدة فيما وصلوا إليه ..
يعقد عليها الشيخ غريب دة .. و يطلقا بكريتو* ..
يا أخوانا الحكاية دي مش حرام ؟
تحرم عيشتك يا المطموس* .. عندك حلاً تاني ؟
و تجادل القوم طويلاً و صمتوا عند دخول الشيخ الغريب ..
فاتحوه بالأمر مترددين.
و الله يا شيخنا نحن واقعين ليك في الواطة دي .. نحن عارفين إنو الحكاية ماياها .. لكن ...
فأوقفهم بإشارة من يده التي تتدلى منها مسبحته اللالوبية ..
ثم قال بصوت عميق : على بركة الله .. بس يا عمدة نصيحتي ليك .. إنْمهل دايماً قبال ما كلمة الطلاق تمرق من خشمك .. على بركة الله ..
عندما أتمم المأذون عقد القران على صداق مقدم خمسة جنيهات و مؤخر مثلها ..
إنصرف العمدة إلى داره .. دون أن يمس طعام العشاء الممدود على ( البروش ) ..
و إنصرف الجمع و تركوا الشيخ وحده أمام المسيد ...
تتهامس النساء ..
حسع صفية دي بتبيت مع الشيخ ولا عند حبوبتا فاطنة ؟
و الله يا خيتي الحكاية كلها قالوا غلط ..

***

نام أهل القرية ليلتها كما لم يحدث لهم من قبل ..
فقد تأخر المزارعون عن بكورهم و سقاية أحواض محصولاتهم ..
و نام عبدالصمد عن ربط الأبقار في الساقية ..
و تأخرت النساء في إطلاق البهائم لترعى في أحواض القمح المحصودة ..
حتى ديك ( الحاجة مِسْكة ) المشهود له برفع عقيرته كل صباح ، لم ( يعوعي* ) فجرئذ ...
غشيتْ القرية غاشية من سكون لم يألفوه من قبل ..
خرج العمدة من داره .. و توجه للمسيد .. فلم يجد الشيخ الغريب ..
بحث عن بقجته فلم يعثر لها على أثر ..
هرع إلى بيت ( حاجة فاطنة ) حبوبة صفية ..
فوجدها لا زالت نائمة .. فأيقظها بهزة من يده :
حاجة فاطنة .. حاجة فاطنة .. صفية وين ؟
هبتْ الحاجة مذعورة ..
كان ( عنقريب* ) صفية فارغاً ..
بحثوا عنها في كل أرجاء القرية .. و على أطراف الجروف ..
إنطلق البعض إلى الخلاء العريض .. و حتى ما وراء سلسلة الجبال الشاهقة ..
عندما بدأت الشمس في الميلان إلى خط الغروب ترسل شفقها الأحمر على القرية ..
كان كل من ذهب في إتجاه قد عاد دون أثر لصفية ..
تجمهر القوم حول العمدة في ديوانه ..
حتى أتر في واطة الله دي مافي .. الزول دة طار بيها ولا شنو ؟
و إنطلقتْ الأقاويل هنا و هناك ..
يمكن النبي الخضر ..
النبي الخضر يسوي شنو بي صفية ؟
و الله هي ذاتا ما هينة* ..
طيب شنو ال صبَّرا على العمدة دة ؟
عندما ذهب العمدة إلى الشيخ محمود في البر الشرقي ليسأله رأيه في الأمر ..
أطرق الشيخ محمود طويلاً ..
ثم تنحنح .. و سعل .. ثم قال :
داير نصيحتي يا العمدة ، أتوكل على ربك و شوف لك واحدة بت حلال و أنسى صفية والغريب .... و الخير ما يختاره الله.


امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  5.8K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات