• ×

نحن كدة

قلتُ في الجزء الأول كمقدمة لا بد منها :

يقال ، أن مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، عندما أراد أن يضع كلمة عربية فصحى تدخل المعجم العربي بدلا عن كلمة ( ساندويتش ) التي يستعملها الفرنجة، قام بإختيار هذه الجملة لتحل محلها :
( شاطر ومشطور و بينهما طازج ) و الشاطر و المشطور هو الخبز المشطور في الوسط ، والطازج هو (الحشوة ) التي نحشوها داخل هذا الخبز المنفلق إلى نصفين. من قطع اللح أو رقائق الجبن أو الفول.

معنى هذا ، إن أردت أن تأكل (ساندويتش همبورجر دجاج) ، فما عليك إلا أن تقف في الصف بمحل بيع هذا الصنف، وعندما يأتي دورك تقول بلغة متمكنة: أيها النادل ، إعطني شاطرا ومشطورا وبينهما قطعة طازجة من الدجاج المقلي مستديرة الشكل وأرجو أن تُكْثِر من أوراق الخس ودوائر الطماطم و لا تضع كثيرا من الشطة، ثكلتك أمك..
وإلى أن تنتهي من هذه المعلقة العصماء سيكون ألف من الواقفين خلفك ينتظرون دون دورهم قد لعنوا (سلسفيل جدودك لأنك أخذت من وقتهم الكثير ).

ثم أتخيل ، أن سودانيا عضوا في هذا المجمع اللغوي ، و يدخل بيته و ينادي أمه و يقول لها :

أماه ، إيهي يا أماه ، أنا جائع و أكاد أن أشم رائحة إمعائي الغليظة ، هل يمكن أن تطبخي لي قليل من البامية المجففة تحت أشعة الشمس والمسحونة ( بالخلاط الذي من نوع المولينكس ) و يا حبذا لو كانت الطبخة ( باللحم المجفف التي كانت تتدلدل على حبال في برندة مطبخك ).
( عرفتو يقصد ملاح شنو ؟ ) طبعا ملاح الويكة بالشرموط.

أو أتخيله يقول لزوجته ( يا رفيقة دربي و يا حرْثي و سَكَني، لقد إقترب عيد الأضحى المبارك ، لماذا لا تأتين بــ ـ( جردل ) كبير وتضعين به قليلا من التمر و نبات الحرجل و القرفة و الهبهان و تدلقين عليه ماءا فاترا و تضعينه في مكان حار و تصبرين عليه أسبوعا حتى يتخمر و من ثم أتذوقه لأرى إن كان سيهضم يوم العيد بحول الله الخليط المصنوع من أحشاء الخروف و الكبد و الطوحال و الرئتين* مع قطع البصل ( *أم فتفت ) ، فإن لم يكن المشروب قويا يا إمرأة أضفنا إليه قليلا من خميرة الشعير لنزيد من قوته الهضمية و ليغفر لنا الله إن كان كثيره سيجعلنا نغفو إغفاءة الدجاج. ( طبعا دة الشربوت و المسمى ظلما شراب الفقرا )

و تقول له زوجته ( المتأثرة بلغته المتمكنة ( : أبا أحمد أيا ظِلاً أكبر من ظل حائط أبي، نزولا عند رغبة حكومتنا الرشيدة لمقاطعة البضائع الغربية و تشجيعا لمنتجاتنا المحلية، لماذا لا تذهب يا بعْلي إلى السوق الخارق ( يعني السوبر ماركت ) و تأتي لي بالكُرة العجينية تلك ذات الرائحة الحلوة ؟ (أها دى عرفتوها ؟ ) بالطبع تقصد الدلكة التي ستستعملها بدلا عن الكريمات المستوردة.

في رواية أهلنا ذوي الأصول المنحدرة من بلاد ما بين الأنهار الخمس ( أتبرا و الدندر والسـاسـريب و الرهد و السوباط )،
أن كلمة كمونية هي في الأصل :
الكاف : إختصار لكلمة الكبدة. و الميم : إختصار لكلمة المصران ، و الواو واو عطف ، بعدين تجي كلمة ( نِيَّة ) .. مما يعني أن الكمونية ( كبدة و مصران ) تؤكل (بي حسن نية) دون التفكير في ما سبق و إحتوته المصارين الغليظة و الدقيقة و أم التلافيف من مواد لأن مجرد التفكير فيها ستجعل العواقب شبه وخيمة.
أما رواية أهلنا الذين عاصروا الفترة ماقبل المهدية و المهدية الأولى و خواتيم أيامها ، أى قبل مجاعة سنة ستة و ما بعدها ، فقد أحد الذين يحبون تفكيك كلماتنا المبهمة : إن أحد الخواجات بوسط السودان بعد أن تناول الكمونية بكمية مقدرة من الشطة ، قد إحمر وجهه ، ثم إصفر و إزْرق، ثم نظر فبسر ، ثم أدبر و إستغفر ، ثم تجشأ من جميع منافذ جسمه البائنة و المستترة، و لولا أنه كان يعرف حدود مهمته في السودان لنطق بالشهادتين ، لذا فقد كتم الشهادتين ( و يقال أنه مات على دين الإسلام ( كتَّامي ) كالنجاشي ملك الأحباش ) ، بعدها نظر الخواجة إلى السماء و كأنه يُشْهِد الله على ما فعلته الأكلة به ، و كان القمر ليلتها ليلة أربعطاشر ، و قال رافعا يدا واحدة و بالأخرى يمسك بتلابيب بطنه :
Come
on
monia
و عندما سألوه : من هي مونيا هذه ، قال و هو يبتسم إبتسامة بلون الكُرْكُم :

Monia is my wife living in london, and I wish she were here to suffer this feeling and share it with me

ثم تمتم بلعناتٍ كزخات المطر متتالية ، و يقول الراوي أنها كانت بلهجة سودانية بحتة و لما طلبوا منه مذهولين أن يكررها ، قال : لا بد من أكل كمونية مرة أخرى لينْعَوِج اللسان. ( ظار عديل ).
غتاتة من هذا الخواجة ، (يعني علي و على أعدائي يا رب).... لأنه كان على ما يبدو يكره مونيا زوجته ويتمنى أن تموت قبل أن يرجع إلى لندن لأسباب خارجة عن موضوعنا هذا فهو يعرف على ما أعتقد أن إمعائها لا تستحمل هذه الخلطة الجهنمية..
ثم يقال أن جملة Come on Monia التي نطق بها تم إدخالها في معجم التبداوية السودانية ، ثم أُدْغِمتْ بعض الحروف الإنجليزية قسْراً بحرفنة سودانية و صارت ( كمونية ) .. هذا على ذمة صديق العمر في أتبرا ( أوشيك ) المخضْرم صاحب المطعم الذي كان مطعمه عبارة عن وكر للكمونية.

بستتبع ( مع إنتظار متابعة الذين شطروا معي المشطور في أيامه الخوالي تلك هنا )



امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  5.7K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات