• ×

نحن كدة

ريفي دنقلا ..
ما بين السبعينيات /الستينيات من الألفية السابقة

ذات صباح في عز ( الدميرة ) و الأم تحلب عنزتها و وليدها يلعب في براءة الأطفال بقربها ..
خرج من جوف النيل .. ومياهه العكرة بالطمي..
رأسه في حجم ( شمامة ) صغيرة ..
نحيف الرجلين .. وضامر الخصر والبطن ..
ولكنه بالأعلى عند الكتفين فهو بعَرْض دولاب متوسط ..
تقدم غير وجِلٍ فخطف ( كورية ) الحليب وقذف محتوياتها في جوفه كقطرة ماء ..
عندما احتجت المرأة وعنّفته وهي خائفة ..
أستل سكيناً ماكناً كان يرقد في جفيره على ذراعه .. فشق بطن المرأة ..
نهق عندها حمار بالقرب منه .. فشق بطنه هو الآخر من الصدر إلى مؤخرته ..
رآه رجل من بعيد يفعل فعلته هذه فصرخ ..
فأنطلق الغريب إلى جوف النيل وغاص فيه كما تمساح ( عشاري ) ..
كانت هذه في جزيرة ( بِنَّة ) شمال دنقلا ..
تم إبلاغ مركز أرقو ..
فأنطلق بنطون يحمل عدة عساكر ببنادقهم ( أب عشرة ) التي طالما اصطادت تماسيحاً مزعجة على النيل ..
مسح البنطون صفحة النيل المنطقة جيئة و ذهابا ..
طفا رأس العملاق على النيل و صاح فيهم : هووووى .. ال عاوزني يجيني هني ..
ولوح بسكينه ..
وغطس في الماء ..
وبعد فترة طويلة .. ظهر رأسه في نفس النقطة السابقة وكأن أرجله ثابتة في قاع النيل .. أو كأن جسمه يقاوم تيار النيل الجارف فلا يتزحزح عن مكانه قيد أنملة ..
و لما كانت التعليمات صارمة للعساكر بأن يأتوا به حيا .. لم يطلقوا عليه النار ..
ثم غاب مرة أخرى في جوف النيل ..
جاءتهم هذه المرة الأخبار من كرمة البلد ..
فقد خرج إلى اليابسة .. بعد إن أقتلع في طريقة عامودا حديدياً كان مثبتاً بكتلة إسمنتية .. يقال أنه أقتلعها بكتلتها وحملها كالعصا على كتفه ..
وأنطلق نحو الجبال بالبر الشرقي .. المسافة بين كل خطوة وأخرى كخطوات شخص يجري بأقصى سرعته ..
أنطلق ( كومر ) العساكر خلفه ..
فأنطلق العملاق يجري ..
و ( الكومر ) خلفه ..
ثم فجأة أنعطف يساراً ثم بحركة التفاف خفيفة وسريعة صار خلف الكومر مواجهاً العساكر ..
سرعته كانت تضاهي سرعة الكومر ..
أقترب من الكومر والعساكر يستحثون السائق كى يزيد السرعة ..
والسائق يتحاشى نتوءات الأرض الحجرية ..
والعساكر يتقافزون كالكرة من شدة الارتطام بالمطبات الطبيعية ..
جاءتهم أول ضربة على باب الكومر فخلعته عن مكانه بعد أن أنبعج في وسطه تماما .. وطار في الهواء ليستقر بعيداً ..
ثم زاد سرعته في توقيت مباغت ..وأمسك بمؤخرة ( الكومر ) بيده اليسرى ..
ورفع العمود الحديدي بكتلته الإسمنتية وكأنها حزمة قش ..
و قبل أن يهوي بها على العساكر المذعورين من قوته ..عاجله العسكري ( عبد الشافع ) بطلقة أصابته في قفصه الصدري ..
أفْلت يده من الكومر .. وترنح و هو لا يزال يجري ..
ثم أصابته صحوة ما قبل الموت .. فأنطلق و هو لا يزال يرفع آلته الجهنمية .. فعاجله عبد الشافع بطلقة أخرى استقرت تماماً في قلبه .. فركع جاثياً على ركبتيه .. خالها العسكر دهراً و هم يتوقفون على بعد مسافة كافية للهرب مرة أخرى من هذه الماكينة البشرية ..
ثم مال على جنبه الأيمن .. وأطلق حشرجة مخيفة زفر معها رذاذاً من الدم الأحمر القاني ..
و رفس بيديه ورجليه .. ثم سكنتْ حركته ..
وصلتْ جموع من الأهالي باللواري ووصلت سيارة الإسعاف ..
عندما حملوه و وضعوه على النقالة .. كان كل كتف خارج إطار النقالة..
عيناه مفتوحتان .. مقطب الجبين .. لا يبدو على جسده أي آثار للعرق ..
بقي أن نعرف بأن العسكري ( عبدالشافع ) الذي أصاب العملاق الغامض في مقتل، تم سحب شريط من شرائطه الثلاث وتخفيض راتبه الشهري .. لأنه خالف الأوامر وقتله ..
قال له الضابط في النقطة : تعليماتنا كانت واضحة .. كان ممكن تضربو و تعوقو بس ..
كل العساكر قالوا : الزول دة ما أظن كان يتعوق .. إما يموت .. إما يهرسنا هرس ..
تعميم أوصافه في كل أنحاء السودان لم تأت بنتيجة .. فلا أحد يعرف عنه شيئاً .. و لا هو هارب من إحدى السجون أو المستشفيات ..
عبد الشافع لا زال حياً يرزق يعيش في قريتي بأقصى الشمال، وصل من العمر عتِيّا.. عسكري بالمعاش ... يجلس جُلَّ يومه بين النخيل مواجهاً النيل .. يتسلى بمراقبة الأمواج تطارد بعضها البعض .. وكأنه يسترجع صورة ( عملاق بِنَّة ) لحظة خروجه من جوف النيل.
امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  5.6K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات