• ×

نحن كدة

مَن لا تسافر به أفكاره وهواجسه إلى شواطئ لا حدود لها، فليرمها بحجر.
ومن لا يسرح بقطعان حديث نفسه في مراعي الدنيا فهو من طينة أخرى.
هذا الدماغ لا يفتأ ينبش وينبش .. ومتْرعٌ بالغث والثمين ...
فتارة تصيبك رحلة البحث بالإحباط ... وتوسوس لك جحافل إبليس بأن الفشل حليفك مهما تحايلت على أسبابه.
ثم يشع قبس من أمل ...
ولكن سرعان ما تطالعك شمعة منطفئة الفتيل ..
تليها سماء داكنة بلا نجوم ،
ليبزغ قمرٌ من وراء غمامات رمادية ..
وهلم لوحات بلا إطارات ..وإطارات بلا محتوى ..وخليط من هذا وذاك
تأتي لحظات تنتابك رعشة من تزاحم هذا ( النبْش )
ثم تحاول أن تسترجع بداية خيوط هذا الانزلاق التي أوصلتْك لهذه النقطة .. فتقف ( كحمار الشيخ في العقبة ) ... أو كمن أنقطع عنه الإنترنت في عز زحمة التفاعل مع الفيس بوك والإسكاي بي..
نقاط البداية .. تنساب أولاً كالهمس ... فتختمر .. ثم تضج بالدواخل ... فلا تفرق بين التفكير الذي يعتلج بدواخلك وبين حديثك المنطوق للناس أو ترديدك لأغنية في الحمام بصوتك الأجش... لذا تأتي لحظات الهلوسة وأنت في كامل وعيك وقواك العقلية ...
( هذيان بلا حمى ) ... أو كمن راح في إغفاءة من تأثير البنج.
لا تلوموا من يتحدثون بأعلى أصواتهم وهم يمشون في الطرقات ..
فهؤلاء قد طفح بهم الكيل .. لذا يغترفون جزءاً من الدواخل إلى حديث ملفوظ حتى يفسحوا مجالاً وفراغاً إلى أحاديث النفس المخزونة في ذاكرة المخيخ.. هذا إن بقيَ شيء منه.
ويعتبر هذا بمثابة ( تنفيس تلقائي ) .... لأن نافوخهم أصغر من أن يزدحم بالغث والسمين ... فتخرج تلك التي في أطراف مخيخه يطلقها دون حرج .. فهي تريحه وتخفف من وطأة الزحام بدواخله.
أما مَن لم يرحمه ربي .. فينطلق بكل مخزونه .. المسموح به وغير المسموح .. فيدخل في زمرة ( المجانين ) .. فيطلق كل شيء تلفظه حمم براكين نافوخه ..
فإما أُودِعَ في خانة المخبولين وقبع في مشفى للمجانين، أو إنطلق منفلتا في الشوارع يطارده الصبية و يصادق قطط وكلاب الحواري.
وما الجنون إلا لحظة بين التوفيق بين هذا وذاك ...
قالوا أن هناك خيطا رفيعا بين العبقرية والجنون .. وما العبقري إلا شخص مجنون نال حظه من الإتمام والرعاية ووجد من يستمع إلى هذيانه الممنطَق.
قلتُ هذه الفذلكة لصاحبي الذي أنْعَتُه ببعض جنون ينتابه ويظهر ذلك جليا عند تحليله لبعض أمور هذا الزمان العجيب ..
فقال لي : أنت أكثر جنوناً مني ...
قلتُ له محاولا أن أجد متنفسا عنده :
بالأمس القريب صحوتُ من غفوة قيلولة ... وفي الخاطر لقاء غرامي مضى عليه زمن كثيف... لم يدُم اللقاء سوى بضْع دقائق ...
فقد أفسدتُ اللقاء بتسرعي في دلْق مشاعر اختزنتها لفترة تكفيني كي أهاجر لمدينتها الساحلية مشياً على الأقدام في عز هجير الصيف... أتوطأ ( أشواك الطريق )...
حسبْتُ تصرفي نوعاً من الصراحة تتطلبها سرعة التقنية في زمن كان فيه التلفزيون في بدايات ( الملون ) .. والتلفون رفاهية والسيارة كالبراق دونه ( خرْط الأحلام ). ولكن تسرُّعي أتى برد فعل سلبي أفْقدني إياها ...
ثم تراجعتُ قليلاً ...في سياحة الفكر عن هذه الذكرى وأنا لا أزال مرهوناً بها ..
فوصلتُ إلى صديقتها التي كانت تكرهني ..
كانت تقول لصاحبتها في حضوري دون أي مجاملة : هذا رجل تظهر كوامنه على عينيه المترعتين بالرغبة .. وهذا مكمن خوفي منه عليك.
لا تزال تقطيبة جبينها تراودني أراها في كل مَن لا تروق لي شكلاً، فالمضمون شيء آخر.
ثم قفزتُ فجأة إلى كراهيتي لجاري اليمني الشحيح الذي يحتقر زوجته ويتطلع إلى الزواج من إفريقية مهجنة ورثت ثروة سال لها لعابه، و تهيج كوامن رغبته كلما حشا تجاويف فمه بنبات القات ...
ثم عرجْتُ إلى ذاك الذي قابلته في جزر ( البهامز ) .. أسود كما ليلة دامسة الظلام .. متزوج من فتاة اسكندنافية (في لون جبنة الدويم)... كانت تتباهى به بين رفيقاتها وسط حسد و غيرة (دون جوانات) الفرنجة.

ثم واصل الدماغ سياحته ...
قفز فجأة إلى ذهني أبي لهب وزوجته ...لا أدري لماذا!
لعنتُ في سري امرأة كانت سبباً في طلاق صديقي الحميم من زوجته لأن ( نسيبته ) أم زوجته تريد ذاك الثري ذي الزوجات الثلاث ... وجاراها زوجها في فكرتها ... ( تبت أياديهم ) ..

لمع في ذهني رقم حسابي البنكي ... والرصيد .. ثم قارنتُ سنوات اغترابي بالرصيد المتوفر والذي حققته بالوطن وحال البلد ....
تذكرتُ أن جواز السفر يحتاج تجديداً ..
وأن رخصة القيادة بقيتْ من مدة صلاحيتها أياما معدودة ..

البرودة في القدمين أعادتْني إلى أيام الزمهرير في لندن وأنا أقطن بشقتي الصغيرة في حي (أبر بروك) ..
ثم انزلقت إلى القاهرة .. بين باب اللوق وعابدين ... وتلك البلكونة .. والبنت التي كانت تتغنى طول النهار بأغنية موغلة في الغزل وهي تنهال بقشر اللب والتسالي على الزقاق الضيق ....

ثم حاولتُ التنبُّه إلى كيفية وصولي إلى هذه النقطة ...

رن هاتفي المحمول ..
نظرتُ إلى شاشته ..
سبحان الله ...
إنها المصرية جارتنا التي عندما سألتها ما الذي أعجبها في زوجها المتشاكسة معه يومياً والذي كان يضربها أحيانا ؟ قالت بسرعة مبتسمة في امتعاض : قزْمِتو ( جزمتو )
لم أبتلع النكتة أو التلميحة ...
رأتْ هي ذلك في ملامحي المتسائلة .. فقالت : أفهمها بأة يا قلال ( أفهمها بقى يا جلال ) ..
لم أفهم ... ولكنني خمَّنْتُ بأن والدها ( بتاع ورنيش ) ... رغم أنها تقول عن نفسها أنها : بنت عز.
ثم تراجعتْ فقرات المخيخ إلى الوراء ...

استرخيت قليلاً ...

فطرقتْ جارتنا نافذة من نوافذ الفِكْر بإلحاح .. فهي متضررة من بلكونة بيتي التي تطل على بلكونة شقتها المتواضعة ..
هل أنا مذنب ؟
فكرتُ أن أقوم بتغطية البلكونة بزجاج معتم في العطلة القادمة على حسابي ...
و لكن هل نسيت التزاماتك التي ألتزمت بها يا رجل ؟
ثم قفزتْ نفس صاحبة اللقيا الأولى و كأنها تقول : لولا تسرعك لكنتَ الآن معي في لندن ...
لندن؟ إييييهي يا لندن ...
طافت الجامايكية التي قابلتها في ميدان ( الطرف الأغر ) و علمتني كيف ( أطعم الحمام ) ...
و تقافز ذلك الهندي من السيخ و هو يثرثر في ( الهايدبارك ).

عندما تهيأتُ للانسلال من كل هذا و ذاك ... حاولتُ أن أسترجع البداية من خلال هذه النهاية ..
لم أتمكن ..
خيوط غريبة كنسيج بيت العنكبوت ...
غير أنه لا يسمح بتداخل أي أجسام غير التي يرغب بها بالفعل أو تلك التي من صنعه و نسْجه هو ...
قال صديقي : لو توقفتَ عن هذا التجوال اليومي، أو توقفتْ عنك الأحلام فأعلم أنك ميت تعيش خارج هذا الملكوت.
ثم هتف ساخرا : قوموا إلى هلوساتكم يرحمكم الله.


امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  6.0K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات