• ×

نحن كدة



بعد أن إنجلتْ معركة حامية الوطيس بين سرب (الصقور) وسرب ( النسور)...
وبالرغم من أن الفوز كان حليف (سرب الصقور ) لكثرة عدده وعتاده، إلا أن ( سرب النسور ) خاف على كثير من الرعايا من صغار السن ( ذوي العظام الهشة ) التي يمكن أن تموت تحت براثن ومخالب ( سرب الصقور ) خفيف الحركة ثاقب النظرات دقيق الانقضاض، عالي الهمة والمحلق لمسافات أبعد في الفضاء ..
فأبرم معه إتفاقاً على أن تكون الأدغال وتخومها مباحة للجميع وليس حكراً له ..
وإلا فالحرب من جديد وسيكون الكل خاسرا.
أسراب الصقور تعرف تماماً ما هي فاعلة .. وتعرف مع من تتعامل .. فتظاهرت بالرضوخ وهي تتأبط أمراً آخر.
فقال قائد الصقور لوسيط الرعاع : لنجلس ونقتسم المحصول والطرائد ..ودونك السهول والوديان ..
ومن ضِمْن مَنْ أطمأن لهذا الوعد و تقدم لنيل حصته كانت جموع النمل ..
ودخلتْ منهن نملة لتعرف مصير ما كسبته هي وعشيرتها ..
دخلت ولم تجد حَبّا .. ولم تخرج ....
وطال غيابها ..
فناداها جمْع النمل من الخارج : هل وجدتِ حَبَّاَ؟
فقالت : لا
فقالوا : فلم المكوث إذن ؟
قالت : هناك وعود بأن تكون لنا حبوب ... مختلف أحجامها وأشكالها. فصبراً ..
فقالوا : ولكن الحبوب رأيناها في تل آخر .. وحفر أخرى هناك .. بعيدا عن هنا ... والبعض يحملها بعيداً ..
قالت : الوعد هاهنا .. هكذا إتفقنا ..سأنتظر.
وظل جَمْع النمل منتظرا..
والنملة بالداخل ...
فإجتمع جمع آخر من الجراد مستطلعاً الأمر ..
وهرولت مجموعة من الجنادب إلى مدخل الجحر ..
وتنادت الصراصير .. وتدافعت إلى المكان ..
وازدحم مدخل الجحر .. وضاق المكان على سعته بالجوعى المنتظرين ..
وندمتْ طيور البوم ، ووقفت تنعق نشيدا جنائزيا.
وبدأ قطيع النعام يرقص رقصات هستيرية تتوافق والموقف العصيب.
وعزفت أسراب من الحمام لحنا أستهجنه الحضور حيث لا يتماشى مع الواقع المعاش.
وتوافدت كل أسراب الطيور، وغاب عن الحضور سرب العندليب حيث كان مرتبطا بأداء نشيد في افتتاح حديقة بأطراف المدينة.
ندمتْ كل الطيور و جموع الحشرات على عدم جلوسها في مجلس ( من حضر القسمة فليقتسم ) .. فالجُحْر أضيق من أن يسع كل هذه الأعداد الهائلة من حَمَلَة الريش والمناقير.
أو على سعته لم يكونوا على الرحب والسعة ..
كانت تعتقد أن ثور الساقية قد ينفذ وعده ويدخل مستودع الخزف هائجاً ويقوم بتكسير كل جرار الصقور فتهرب فزعا أو تُشرك هذه الطيور التي إعتادت أن تقف على ظهره و تأتيه بأخبار صقور..
كما أنها تُحْسَب عليه وهو الثور المشهور بحكمته التي تقول ( فرِّق تَسُد ) ..
ولكن الثور وقف بعيداً خوفاً من ( قائد الصقور ) الذي هدّده من قبل بأن بظهره جرح غائر يمكن أن يكون مدخلاً إلى هجوم كاسح من أسرابه حتى ينفتح الجرح نازفا ولات حين مناص.
الذئاب ظلت تعوي طوال الليل دون جدوى.
وبنات آوى والثعالب استعملت كل فنون الحيل والمكر دون طائل.
والحيّة ( المجلجلة ) لم ينفعها سمها الزعاف.
وجحافل الديدان.. غاصت في باطن الأرض لتسلك طريقا مختصرا للوصول إلى الفتات ولكن كل الطرق كانت الصقور قد قامت بتلغيمها.
والوطاويط .. هددت باستعمال ممصاتها ليلا، فتم حبسها في غرف مضاءة فقبعت لا تبصر شيئا.
التماسيح والأسماك كانوا خارج حدود سلطة الصقور، ولكنها تمترست في أعمق أعماق القاع.
كلهم عرفوا بأن لا مجال لهم مع وعود ( سرب الصقور ).. فهم يعرفونها أكثر من جوع بطونهم الذي طال .. فاكتفت بالمراقبة، ثم انقلبت المراقبة إلى شماتة مكبوتة ولكنها بادية في العيون.

أخيرا خرجت النملة إياها من الحفرة.. وقد أزداد حجمها .. وتكورتْ بطنها .. وارتفعت مؤخرتها .. وقرون استشعارها تتدلى إلى الأسفل ..وتوردت وجنتيها.
سألوها : ألا تبشريننا خيرا؟
قالت : لا حبوب هناك ولا فتات .. فليرجع كل إلى مكانه .. جحورا ً .. جبالاً .. تلالاً .. فروعاً .. كهوفاً .. أو حتى سماوات بعيدة .. فالصقر أشرس مما كنتم تتصورون، فقد أتى على الأخضر واليابس والمخزون.

فقهقه ( قائد الصقور ) وقال وهو يحلق بعيداً بصوت أجش : لقد فهمتْ النملة الدرس .. ولا بد أنها ستعمل على تشجيع بني جلدتها على بناء كانتوناتها وجمع حبوبها لفصول الجدب والجفاف ..
وأطلقت أسراب الصقور صرخات جعلتْ البعض ترتعد فرائصه ..
وحلقتْ حتى ظللتْ كل الشعاب والبوادي .. وانطلقت حرة تصفق بأجنحتها القوية .. فالفضاء على رحابته أصبح مِلْك أجنحتها وتحت رحمة مناقيرها ومخالبها، وكل شاردة وواردة تحت سمعها وبصرها الحاد.
ولا زالت جموع الجياع والعراة الحفاة تستنجد بصانعي المحميات لتنقذها من ورطتها وتحفظها في مكان آمن وتوفر لها المأوى والطعام.
بينما تقف أسراب الصقور على أهبة الاستعداد لتخترق المحميات بطابورها ( السادس ).



امسح للحصول على الرابط
بواسطة : جلال داوود ابوجهينة
 0  0  5.6K
التعليقات ( 0 )
أكثر
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات
لا توجد مباريات