• ×
الإثنين 6 يوليو 2020 | 07-06-2020
سيف الدين خواجة

القصر تشة ....تشة......والجنة!!!

سيف الدين خواجة

 0  0  1830
سيف الدين خواجة
القصر تشة ....تشة......والجنة!!!
خرج محمود رفقة أبيه ذاهبين للمناسبة التي وصلهم كرت دعوتها، كان أبو محمود راغبا في إدماج ابنه أكثر في الحياة الاجتماعية، وإكسابه ما يراه عادات حميدة، في زمن بات يخشى منه ومما يخفيه، ينظر لابنه وهما محشوران في مكروباص مزدحم، تهزه مطبات الطريق، يتأمل ابنه الأكبر جيدا، فقد استلم الشهادة الثانوية اليوم، ناجحا نجاحا مقبولا بالنسبة لمن لم يتلق دروسا خصوصية، ولم يطلبها تقديرا لظرف والده الموظف الحكومي الذي انحسرت أمجاد وظيفته، وتراجعت منذ أطل زمن لكل شيء فيه ثمن حتى الأعراض.
كان أبو محمود يعيش حيرة مستقبل ابنه الأكبر، كان شاردا، يفكر، لا يستطيع مواجهته بعجزه عن سداد مصاريف الجامعة، وهي حقيقة يدركها محمود، وكانت في ذهنه خطة جاهزة، كتمها حتى عن أبيه، ولم يقرأها أبوه في لغة عينيه، يبدو أن لغات الأعين بين الأجيال تختلف.
كان محمود يفكر في استكشاف الأقارب الموظفين أو التجار عله يتلطف، ويجد عملا عند أحدهم، ويواصل دراسته، ويساعد أباه، اجتهد سابقا، وأخذ كورسات صيفية سابقة، لكنه مهموم بالخبرة وعوائق كثيرة في زمن انحصار الفرص بأيدي قلة قليلة.
افترق الأب وابنه بمجرد دخولهما مكان المناسبة، وانغمس محمود في غمار المدعوين، لكنه عرف أنه وجد ضالته، عندما رأى أحمد أحد أقاربهم، والذي يعمل في المكان الأبيض الضخم القديم، الذي لطالما شاهده محمود في طفولته، واقفا ينظر للناس والأشياء حوله، مثيرا فضول محمود الذي سأل أباه وهو صغير كثيرا عن هذا المكان فأجاب: هنا الناس البحكمو البلد دي.
فكان محمود يرد في كل مرة: إن شاء الله حاكبر واشتغل فيو..
فكان الأب يشجع طموحه متبسما: تكبر تقرا تخش الجامعة وتتخرج وتتوظف وتترقى .. الله يحضرني يومك التدخل فيو القصر..
كان أبو محمود يردد هذه الكلمات، متوجسا خيفة من بلد لا يدري أحد على أي مرفإ تلقي مرساتها، فما بكى هؤلاء الطيبون من شيء، إلا وبكوا عليه لاحقا،
فوجيء محمود بمن يربت على كتفه فعاد لواقعه من خياله وذكراه تلك، فوجد أحمد يسلم عليه، اضطرب قليلا ثم رحب بالعم أحمد، فقال أحمد:
-ما لك سرحان؟ ما شاء الله كبرت.. والله.
بادر محمود بذكاء: -سرحت فيك وفي حلم قديم إنو اشتغل في القصر.. وأنت عارف الحالة.
رد أحمد: ابشر.. عجبتني يا ود .. هميم وضكران.. خشيت الجامعة.. ياتو كلية؟
محمود: نجحنا للجامعة لكن الظروف ما بتساعد، فداير اشيل رقبتي واساعد الحاج.
أحمد: تمام.. يا زول..
واصل محمود فقد تذكر شيئا ينفعه: والله يا عم عملت كورسات بتاعت كومبيوتر، طباعة وتنسيق وتصميم على خفيف..
تبسم فقد ينفعه هذا، نظر أحمد لمحمود جيدا، وثبت عينيه عليه: شهاداتك موثقة واللا شهادات.. والسلام.
محمود: أبدا .. الموية تكضب الغطاس..
قال أحمد بإعجاب: خلاص بكرة تجوني إنت وأبوك في البيت الساعة ثمانية بالليل كدة.. ومعاك الشهادات كلها.. ربك يسهل.
أراد محمود أن يصرخ: خشيت القصر، لكنه تذكر أنه في مناسبة عامة، فسالت دموعه بدلا عن صرخاته، وصافح العم أحمد، الذي شد على يده مجددا، وعاد لوالده، متبسما، فبادره أبوه بالسؤال، رد محمود بكلمات مختلطة: وعدني خير في شغل.. وشهاداتي أجيبا وبكرة البيت أنا وانت..
اتسعت عينا علي متحيرا في حال ابنه، وقبل أن يقول أي شيء باغتهما أحد الأقارب بسلام حار، ودخل مع أبي محمود في ثرثرة، تاركين محمود لأمانيه القديمة وأحلام اليقظة تناديه كأشباح تظهر وتختفي.
انقطع الشرود بانتهاء حوار والده مع القريب المباغت، وتهيأوا للملمة المشوار، والمغادرة، وخرجا باحثين عن وسيلة نقل، بدأ محمود شرح التفاصيل، لكن انقطع الكلام بصوت عم أحمد الذي ناداهما ليركبا معه، ويوصلهما، وبعد الأخذ والرد التقليديين، والتعلل بكون المشوارين متضاربين، أنهى أحمد الجدل بخروج بقسم مغلظ، مرفقا طلبه بطلب آخر: خلينا نتذكر الزمن الجميل.. يا اخي.
ضحك أحمد ضحكة لطيفة، أثنى أحمد على فكرة اصطحاب أبي محمود لابنه للمناسبات العامة، وأنها تورث صفات جيدة، في زمن متقلب، وتحول الإنسان لكائن اجتماعي حقيقي، هنا ردد محمود: والله فعلا كلام موظفي القصر كلام مليان بالجد.
واصل أحمد حديثه، موضحا أهمية معرفة الناس للقرابة والعلاقات النسبية، وإزالة الحواجز بين الأجيال، تابع محمود الكلام بإعجاب، فهذا موظف في القصر، وحكى أحمد خلاصة حواره مع محمود، فتعجب أبو محمود ايما عجب، وأخفى تعجبه هذا، مبديا شكره لأحمد وحسب.
لكن شرد محمود، فقد انعطف حوارهما لذكريات قديمة ومصطلحات قروية ومدنية لا يفهمها محمود، بل هي طلاسم عنده، ومرت اللحظات سريعا، أحمد وأبو محمود في قصصهما القديمة، وضحكاتهما التي تختتم بمرارة من نوع ما، ومحمود في أحلام الغد المقبل.
وقفا أمام بيت أبو محمود، وعند نزولهما، همس محمود لأبيه بأن يجلب شهاداته سريعا، فلديه نسخ منها كسبا للوقت، أصر أحمد على أن يزوراه غدا، ليتحدثا أكثر، لكن أبا محمود اعتذر بكثرة المشاغل والإرهاق، تقبل أحمد عذره، فهو أوضح من أي شيء في هذا الزمن، وجلب محمود شهاداته، ووراءه إخوته الذين ضحكوا ضحكات مكتومة، متعجبين من السيارة وطرازها الذي سمعوا عنه ورأوه يمر أمامهم مسرعا مرارا، أما أن تقف سيارة من هذا النوع أمام منزلهم، فهذا سبب كاف للتباهي أمام رفاقهم غدا، أمرهم أبوهم بالسلام على العم أحمد، ففعلوا، فدس أحمد في يد كل منهم شيئا، جعلهم يركضون للداخل مفزعين أمهم التي كانت تغالب النعاس: يمة يمة شوفي عم أحمد أداني شنو.
أطل أحمد على شهادات محمود، هز رأسه، وقال لمحمود:
-مية مية شغل مزبوط، شهادات موثقة ومراكز معروفة، وشهادتك مجموعها معقول، وتنسيق السي في زاتو ممتاز.. اليومين ديل تقول للواحد اعمل سي في زي الختيتو في امتحان.
انطلقت سيارة أحمد بعيدا بعد جولة حديث لإقناع أحمد بشرب شاي في بيت أبي محمود، لكنه اعتذر بارتباطات تخص العمل غدا، وانطلقت السيارة حاملة أحمد، وشهادات محمود، وعيونه التي تعلقت بها حتى غابت.
مر الأسبوع ثقيلا، تملؤه أحلام اليقظة، ودعوات في كل سجدة، وأمال وتخوف، وتململ، كان يشرد حتى أن إخوانه الصغار إذا لمسوه يقفز من مكانه فزعا.
ومع الجمعة اللاحقة، بوغتت أسرة محمود بعد صلاة المغرب بالسيارة نفسها، فتصايح الأولاد مستبشرين، فطلب منهم أحمد مناداة محمود له، ووصل أبو محمود من صلاة المغرب، وبدأ السلام الحميمي، والإصرار على الدخول، فشاي المغرب بالحليب الطازج، فأبو محمود متمسك بالسعاية والغنم لا تكلف، وتوفر حليبا طازجا مضمون المصدر، تعذر أحمد بأن الشاي بالحليب يصيبه ببعض المتاعب، فقال له أبو محمود:
-خلاص شاي بالنعناع .. والنعناع زارعنو في ركن البيت ..
تبسم أحمد: والله إلا أخش أشوف ركن البيت الزارعو والخاتي فيهو غنماية.. والله إنت حكايتك حكاية..
وضحك متعجبا، دخل، فوجد في ركن البيت أحواضا صغيرة متتالية مزروعة، وقفصين ومربعا خشبيا مزروبا بعناية، وبدأ أبو محمود يشرح لصاحبه الحكاية والرواية، موضحا أنها توفر المال، وتنشط البدن، وتنعش جو المنزل، وتوفر طعاما طازجا، ثم واصل أبو محمود: أحمد الله، ما قاعد اشتري شي من السوق إلا البن والشاي والسكر والدقيق .. لكن خضار وحليب ولحمة أبدا.. أحمد الله كلو فترة عندنا سخلان..
-والله صدقت أنا البيت الساكنو لقيتو سيراميك والله عجزت زاتو أعمل أي تعديل خليك من أنو أقلعو وازرعو.. وفوق دا، أبوي مشاكلو وعللو ما بدت إلا لمن وقع وازلق فوق السيراميك.. والله حاجة..
هون أبو محمود الأمر عليه مجاملة له، واصل أحمد مبديا أسفه على انتهاء زمن السعاية، وكثرة الزمن المهدر في ما لا يفيد، وجاء محمود بالطاولة والشاي، ورائحة النعناع تفوح، هش أحمد قائلا:
-والله يرد الروح، وعليك الله إما أديتني منو شوية..
وعده أبو محمود بنعناع طازج، فيما التفت أحمد لمحمود الذي كان يصب الشاي: محمود كب الشاي واقعد بجاي .. مبروك.
كاد يطير من شدة الفرح، بل للحظة برد جسمه حتى كاد أن يجلس على الطاولة، شرح أحمد وظيفة الطباعة على الكومبيوتر، لكنه بدأ يوجهه حول السلوك الوظيفي، فيما أبو محمود يوافقه يإيماءات رأسه.
ومع نهاية حديثه، جاء أحد الصغار حاملا لفة نعناع طازجة مدها لأبيه، ووقف أحمد قائلا: بعد بكرة الصباح، أمر عليك بالعربية وأخذك لمحل الشغل، وبعد داك الترتيب عند الكلس..
أخرج ظرفا من جيب البدلة، وناوله أبو محمود الذي فزع، ورفض، ولكن أحمد أصر، معتبرا أنه لتجهيز محمود بما يلزم، ليدخل ذلك المكان... واختتم الجملة بالقول:
دي سلفية في ذمة محمود، باستقطعها منو..
وتبسم، وتقبلها أبو محمود، فعلى الأقل يتعلم محمود كيف يتعامل مع المال، خاصة مع مصاريف التعليم والعلاج المرهقة، ودعهم أحمد، والصبية الصغار حوله، والذين ملأ أيديهم للمرة الثانية.. فعادوا فرحين لأمهم، فعلق أحمد: فرحة الصغار دي أجمل شي في الدنيا.
علق أبو محمود: الله يفرحك بوليداتك، والله البعمل خير بلقاه، وواصل: خضارك علينا كلمني باليلزمك..
وانطلقت سيارة أحمد، ودخل محمود وأبوه، وهما يتكلمان متهللين، وكادت أم محمود تزغرد لولا أن محمود أسكتها، فالمكان سر، وبدل الزغاريد، عانقت زوجها، وابنها وهي تبكي، لتنطلق لتجهيز اللقيمات للمصلين في البرش القريب.
وانطلق محمود متوثبا مثاليا ككل الشباب، بل مملوءا بإحساس الوطنية، خاصة وهو يرى العلم صباحا، وهو يرفرف، والناس تتحدث عن ذلك الشخص، وتلك الشخصية، وضرورة إنجاز هذه أو تلك، أما حاج عباس فهو موظف قديم، مر عليه من أمثال محمود الكثيرون، فكان أباهم، وهذا أراح محمود كثيرا، أما المكان فهو أنيق مريح، لا تلجه الشمس ولا يعرف الغبار، ويصل للمكان بالترحيل مرتاحا، بدون التعلق بالباصات والوقوف شماعة والذي يتكفل بإيصال المرء مرهقا لمشواره.
لكن وجبات الإفطار والغداء التي تأتي أدهشته، في البداية اعتبر الكمية منطقية فهو يعمل في أخطر مكان، وربما كان للأمر حسابات من نوعية أهمية الغذاء للموظفين .. وما شاكل هذه الثرثرة العلمية التي كان يدندن بها الاساتذة.. همهم: حليل المدرسة وزمنها.
لكن بالتدريج بدأ الشك يراوده، فبدأ يقوم بحسبة بسيطة، مقارنا غداء أسرته البسيطة فاكتشف أن وجبته التي تقدم له محفوظة معلبة تكفي لأسرة من أربعة أفراد بالغين تبسم:
-وين عبدوش التلب.. والله دي ما يقدر يخرت نصها..
كان يعود كل يوم متخما بالغداء، وينزل من الترحيل، فيلاحظ جيرانه الفقراء أسرة حاجة الرضية وبناتها الخمسة، عم التوم المتقاعد المحمول، تاج السر وإرهاق غسيل الكلى، وكلهم يأخذ من الدكان بالجرورة وبالملوة ليس أكثر، لم ينم جيدا، كان يشعر بالذنب، هل يتصدق مثلا ليخفف عن نفسه هذا الإحساس؟ كيف له أن يملأ بطنه، والناس جوعى، كان أبوه كثيرا ما يحدثه عن خلل ما في هذه البلد، ويضرب مثلا بحاج عبد الغفور الذي كان قبل أربعين عاما يأتي متأخرا دائما متسكعا هنا وهناك، فيدس نفسه وسط أي صيوان لمناسبة، فيتغدى، ويقول لزوجته:
-الإسراف دا حيخلي الناس يوم تعمل العزا بالمقابر.
واكتشفوا أنه يأمر عمال البلدية الذين يشتغلون تحت أمره ببيع السلال التي يجمعون الزبالة فيها، فاشتكوه للمحافظ، الذي استدعاه، وسأله:
-انت بتودي القفاف وين يا عم عبد الغفور..
فرد عليه بابتسامة ساخرة: سعادتك انت تعرف انا ما باكلش حرام بس الدش كابي من فوق.. سعادتك الناس الكبار زيكم بياكلو قطع اراض والمساكين دول.. باقول لهم يبيعوا القفاف ياكلو لهم اكلة حلوة يشوفوا لهم يومين في الدنيا.. الدش كابي من فوق احنا بيصلنا نقيط بس..
غضب المسؤول: امش يا عم عبد الغفور ما اشوفك قدامي..
خرج يهمهم: حاضر سعادتك.. كلامي وجعك.. عارف.
لكن جاء زمن العزاء في المقابر، وجاء زمن أعجب وأغرب هكذا كان والده يردد..
هنا بدأت مصطلحات الحلال والحرام تداخل محمود، وتعذبه، بعد أيام من التفكير، تعقد الأمر وهو يسمع أحد الموظفين الأكثر أناقة ولمعانا وبريقا، يناقش بعض قضايا النوافل والعبادات مع زميل مشابه له، يمشيان الهوينى، ويتمطيان بعد وجبة الفطور وهما يطلبان الشاي من الفراش، والتفت محمود نحو العم الكلس، وهمس:
-البناكلو دا حلال واللا حرام؟
لم يهتز الكلس كثيرا: حلال منصوص عليو في اللائحة..
تنهد قليلا، وواصل: الوجبة دي يا عمي الكلس تكفيني وتزيد، والاسر برة محتاجاها فباقول..
قطعه الكلس: دا الوقع من حلق الأسد، اكل.. ساكت، والله جوه في حاجات أنا اساميها ما عارفها، والله ما فاضل غير يغنو ويرقصوا هنا.. خليها ساي يا ولدي.. أكل أكلك..
سكت الكلس، ووجم محمود، واصل الكلس:
-أريحك.. سمع أضاني، قعدوا مرة اتونسوا، فقالوا: حلال حرام.. أهي دنيا ونعيشها.. بعدين النار أصلها تشة تشة .. ومعاك لا إله إلا الله .. دي تدخلك الجنة..
رد محمود: يعني .. النار .. تشة؟؟؟
قفز لذهنه كلام أبيه عن الأحزاب التي انفردت بالبلاد، وصرفت عليها ميزانيات بها أصفار تبني بلادا من الصفر.
-تشة تشة..
خطرت بباله:
-.. النار تشة..؟؟
ظلت دندنته المفضلة بعد ذلك في خلواته:
تشة تشة.. يا حبيبي نعيش..
............
امسح للحصول على الرابط
بواسطة : سيف الدين خواجة
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

للمشاركة والمتابعة

جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 04:0 الإثنين 6 يوليو 2020.

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لـ "كفر و وتر" 2019