• ×
الجمعة 7 مايو 2021 | 05-06-2021
صلاح شكوكو

كلمـات بمـداد الـحـــزن

صلاح شكوكو

 0  0  11526
صلاح شكوكو
كلمـات بمـداد الـحـــزن
حينمـا ينفطر القلب مرتين وتحشتد الدموع في المآقي ونبكي كما يبكي الأطفال .. نكون في محطة حزن عميم .. عندها تتصدع وتتشظى دواخلنا ويعم الحزن والأسى مناحينا ... ويحيطنا إحساس مرير قوامه الحزن والأسى .

في مثل هذه الميقات قبل سنوات دخل صديقي الراحل عزالدين الصبابي في غيبوبة الفراق لعدة أيام بأرض الكنانة ليفارق بعدها دنياواتنا فراقا أبديا ليس بعده عوده، فيترك في مدارجنا مرارة ولوعة وأسى .

في ذات الميقات من مايو وبذات الطريقة وفجأة ودونما مقدمات يصبح فيه صديقي العزيز (عادل فضــل عبد العــال) مكبلا على وسادة اللاوعي والفراق .. وبعدها يرحل كما يرحل الغمام دونما إستئذان والناس بعده غياهب الأسى والدموع والدعاء .

حاولت أن أتأمل هذا الغياب ، وهذه الصيغة من المغادرة الى الموت عبر مرحلة الغيبوبة ، فوجدتني أمام حالة عجيبة ، شاءت فيها إرادة الله أن تخفف علينا المصاب الجلل وأن تهيئنا الى قادم فاجع ، يقتلع قلوبنا من الجذور ويهزنا هزا ، وكأنها رسالة واضحة لقبول الواقع والترقب بين الرجاء والأمل .

قد لا أجد عبارت تسعفني للحديث عن الأخ الراحل عادل ، ذلكم الملاك الذي ظل يرفرف بجناحي الطيبة والمودة وحسن المعشر .. والذي ظل يتمتع بقدر كبير من النقاء والصفاء والشفافية .

رغم صداقتي له لكنني كنت معجبا أيما إعجاب بطريقته السلسة في إداراة الحوارات في الإذاعة الرياضية التي كانت تمثل عشقه ومحبته .. ظل يتمتع بهدوء ساحر وحديث هادي ولغة حوارية ممتعة .. بل أنني أحسب أنه فوق ذاك مذيع شامل يمكن أن يقرأ الأخبار بجرس يناسبها ووقفات عالية الجودة .. وسكتات تتطلبها المواقف .

لا أتصور - رغم إحترامي لكل الزملاء وجهدهم - أن تكون لبرنامج (مقهى الرياضيــة) ذلك القدر من الألق والنجاح والمحبة التي كانت تطوقنا ، فلكل إنسان أسلوبه في التعاطي مع الناس والإلتفاف حولهم وتعطير الجو وتأطيره .

فلقد ظل (عادل) يدعوننا إليه بدعوات ومهاتفات خاصة ومستيقنين أن أن الرجل كان يعامل كل فرد في المقهى بلغته وأسلوبة الخاص .. ينثر عبير الكلمات وعطرها في أسماع الناس جميعا ليتجمعوا بمودة ونقاء .. حتى أضحى الحضور في أحايين كثيرة جبرا لخاطره وتلبية لدعواته وصلته بالحضور أجمعين .

كنا كثيرا ما نأتي الى المقهى من مكاتبنا موشحين بإرتباط عاطفي وشخصي بالمرحوم من جانب ، وصلة ووصلا بالجمهور الذي كان يحرص الأخ عادل لإيصال رأيه إلينا ليزيد مساحة الإرتباط الوجداني بيننا وبين المستمعين الأفاضل .

من روائع هذا الإنسان أنه كان مهنيا من نوع فريد حتى لا يجرؤ على أن تأثر ميوله الخاصة على صوته ولغته وحوارته التي كان يجريها بتجرد كبير، وحيادية ، فقد كان يحترم الآخر ويحترم خصوصية كل .. ولم أسمع منه مشاحنة مع أحد أو إنزعاجا منه تجاه الآخرين ، إلا ماكان صيغة من صيغ الإعتياد العام في العمل وحتى هذه لا تستغرقه ولا تؤثر علية .

وبفقده فقدت الإذاعة صوتا مميزا .. وإنسانا خلوقــا له بصمة في العمل الإعلامي وبصمة أخرى في قلوب الملايين ،، وما التطويق والمرابطة التي كانت حول مستشفى الحكيم بأم درمان وإنتهاءا الى المواراة بمقابر حمد النيل ثم سرادق العزاء ببيتهم ثم الإذاعة الرياضية إلا شاهدا على صلة الفقــيد بزملائه في العمل والحقل الإعلامي والناس أجمعين .

كما أن الراحل المقيم كان على حسن وصل بمراسلي الإذاعة بالأقاليم المختلفة يتفقدهم بشخوصهم، حتى بنى بينه وبينهم صلة قوامها الود والتقدير والمحبة ، بل أنه يعتبر كوة لهم لنشر أخبارهم والتعـبير عن أنفسهم وبناء مقدراتهم الصوتية والأدائية والتحريرية ، وبذا يكون الفقيد قد أشبع الرغبات المهنية الكاملة في دواخل المتحفزين والمنبرين للعمل الإعلامي .

كان الفقيد متوهجا ومقبلا على الحياة بروح طيبة وتفاؤل كبير ، الى جانب أنه كان ملتزما في سلوكه العام والخاص ، كتمسكا بصلته بربه مؤمنا بيقين .. بارا بوالديه وأهله جميعا .. فكان عادلا في مشاعره وتعاملاته الإنسانية .

وأحسب أن الكثيرين وأنا أولهم سيفتقدون رجلا سمحا ظل يحتل مساحة مقدرة في حياتنا ، بل أنه رغم إنشعالاته بالعمل .. فإنه كان يفرد مساحات طيبة للوصل الجميل والرجل على صلة طيبة عبر الهاتف بوالدتي وأخوتي .. لذا تعدى أن يكون الفقد حالتي الشخصية ليصبح فقدا أسريا .

وكانت الإذاعة الرياضية موفقة ووفيه للرجل حينما أطلقت إسمه على صالة التحرير التي شهدت جهده ومثابرته الطيبة ، لتعطر سيرته أرجاء المكان وفاءا وعرفانا وتقديرا .. الى جانب إلتزامها بتعيين شقيقه (عبد العال فضل عبد العال) بالإذاعة مما يعمق فكرة الوفاء والتقدير .

رحم الله فقيدنا عادل وجعل الجنة مستقره بين الشهداء والصديقين ، ورحم الله فقيدنا عزالدين التي تأتي ذكراه لتجدنا موشحين بالأحزان من جديد ، لكنها أقدار الله فينا ولا نقول إلا مايرضي الله .
لكننا من ضفة الأحزان ندعو مخلصين أن يتكون جسم كبير يشكل مظلة للإعلاميين الذين يفنون زهرة شبابهم في أروقة العمل يقدمون جهدهم دون من ولا أذى لإيصال الرسالة نحو المجتمع ، فمن واجب المجتمع أن يكافيء فيهم هذا الجهد العميم .

اللهم أرحمهما وأجعل الفردوس الأعلى مستقرا لهما .

------------
صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
shococo@hotmail.com





امسح للحصول على الرابط
بواسطة : صلاح شكوكو
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

للمشاركة والمتابعة

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لـ "كفر و وتر" 2019