• ×
الجمعة 7 مايو 2021 | 05-06-2021
صلاح شكوكو

حينما يفسد الخلاف وشائج الود

صلاح شكوكو

 0  0  11493
صلاح شكوكو
مع كثرة الأحداث والمشكلات الجارية حولنا والتي نعيشها وتلك التي تستغرقنا وتغرقنا في أحايين كثيرة، ومع كثرة وتزايد الموضوعات الخلافية التي تحتاج رأيا حولها، والتي باتت تشكل ضغطا كبيرا علينا وعلى أفكارنا من شدة سطوتها علينا وتأثيرها المباشر على حركتنا، فلا يستطيع الكثير منا تجنب الحديث فيها أو التعليق عليها، في شتى الموضوعات ( الإجتماعية والسياسة والرياضية ونحوها) سواء أن كان ذلك في اللقاءات والحوارات أو من خلال وسائل الاتصال والتواصل وغـيرها، ومن الطبيعي جدا أن تكـون الآراء متباينة في القضية الواحـدة، وذلك لإخــتلاف المنظور والــزوايا التي نرى من خلالها الأشــياء، لكن المشكلة تكمن عندما يؤدي النقاش المباشر إلى جدال وخـلاف حاد وجاد يصل الى حد القطيعة والعـداوة والغل.
بعض الأشخاص ينتفضون ويتضجرون لمجرد سماع رأي مخالف لرأيهم، بغـض النظر عن مدى موضوعيته ومعقوليته ووجاهته، وكأن لديهم حساسية مفرطة من الرأي الذي يرد رأيهم ويرفضه، بينما الحياة كلها تقوم على هذا الإختلاف والتباين، لأن لا أحد يمكن أن يحتكر الحقيقة كاملة، ويجرد الآخرين من حق الدلو فيها بدلوهم.
في أحايين كثيرة يتمحور الحديث حول الإختلاف في قضايا أو أحداث لا يكون عند المتناولين لها المعرفة الصحيحة أو الدراية الكافية حولها وذلك لطبيعتها في ذاتها، كالمسائل التخصصية الدقيقة والعلمية التي تحتاج الى إلمام واسع في جميع زاوياها .
فالحديث عن مادة كيميائية معينة تدخل في تصنيع الدواء مثلا، موضوع لا يجب أن يتحدث فيه إلا ذوي الإختصاص والإلمام إلا في العموميات، مثلما أن الموضوعات الإقتصادية أيضا موضوعات تقتضي درجة من الإلمام بأصول المنهجية الإقتصادية والنظريات والمدارس الخاصة بها ونحو ذلك .
الى جانب أن الموضوعات الطبية كذلك لها مقتضيات المعرفة والإحاطة، حتى للأطباء فيما بينهم لديهم آراء متعددة في القضية الواحدة ولكل واحد منهم رؤية قد تختلف عن رؤية زميل له، لكن المشكلة أن الكثيرين يتحدثون في موضوعات لا يعلمونها ويجهلونها ويعتقدون أنهم الأقدر دون غيرهم على الخوض فيها، وهؤلاء يتمترسون حول آرائهم بصورة تدعو للدهشة والإستغراب وكأن الإختلاف معهم حولها يقلل من كرامتهم أو ينال من شخوصهم .
بل أن الكــثيرين من هــؤلاء ينتهجــون مبدأ الكــذب لمجرد إثبات أنهم يعلمون أكـثر من غـيرهم.. وذلك لمجــرد دحض آراء الآخرين بالدلالة على أنهم يعلمون في الموضوع أكثر من غيرهــم .
والغــريب أن غالبيــة المتصدين لهــذه الموضوعات يلتقطــون الموضوعات والأخبار المبعثرة وينسجون حولها رؤيتهم الخاصة وأفكارهم دون التيقــن من حقيقتها ولا يقبلون أي قول حولها، وهذه آفة إبتليت بها الأمة في منهجية حوارتها فأصبحت كل حواراتنا مأزومة مهزومة، وزادت من هذه الحالة الإحتقانية أن كثير من البرامج التلفزيونية قد أصبحت تزكي فكرة التمترس والهياج والصياح بغرض الإثارة الرخيصة دون أن نعي أن هذه المنهجـية تولد سلوكا منحرفا ينتقل من الى الأطفال والنشء وأول آثارها أننا نقوم بتجيشهم نحو الهياج والصياح وعدم إحترام الآخرين، وذلك من خلال ملاحظتهم لنا وتقليدنا دون وعي منهم .
كذلك هناك فئة من الناس لديها كامل الاستعــداد للخوض في أي موضوع مهما كان تخصصيا أو دقــيقا، وهؤلاء منهم من لا يحترم نفسه ولا الآخرين، بل أنه لا يقر بأنه لا يستطيع أن يبديء رأيا فيه بإعتباره غير متخصص في هــذا الأمر، أو غير مطلع على الموضوع بقدر وافر يتيح له إبداء رأي فيه، أو الدلــو برأي فيه أو أن يعــتذر بأن الموضوع لا يدخل ضمن دائرة اهتماماته .
ورغم أن هناك مأثورات كثيرة تتحدث عن طبيعة الحوار والإختلاف فإنها تبقى صورة مثالية لا تمت للواقع بصلة ومنها (إختلاف الرأي لا يفسد للود قضية) وكذلك (نصف رأيك عند أخيك) وقول سيدنا علي رضي الله عنه : )أضْرِبْ بعْضَ الرّأْيِ بِبَعْضٍ يَتَوَلَّدْ مِنْهُ الصَّوَابُ(، وكذلك قول غاندي : )الإختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألد الأعداء(، وقول إدوارد غيبون : )لمَ أرتكب خطأ مناقشة شخص لا أحترم أرائه ...(
إلا أن الحكمة قد تجلت في قول أبي حنيفة النعمان حين قال (( من قال لا أعلم فقد أفتى)) وفي هذا القول الأخير حكمة وهي أن الناس يزدادون ثقة في من يقول مثل هذا القول، لإقراره بعد العلم مما يعني أنه يقول فقط ما يعلم، لكن كثير من الناس لا يدركون هذا الأمر فيريدون الظهور بالقول وإدعاء المعرفة حتى لو كانت مجرد جدال لا يفضي الى شيء ، وكأن الخضوع لرأي الآخرين يعني الإنهزام والردة .
رغم كل هذه الأقوال المأثورة محفوظة وعلمها الجميع إلا أن الود مفقـود بين الشخوص، وذلك بسبب التربية الخاطئة الى وجدناها والتي أورثت عدم إحترامنا للآخر ناهيك عن إحترام آرائة، والدليل على ذلك، ذلكم الهياج والصياح والهرج والمرج عند أول إختلاف في الآراء ..
نحن في حاجة ماسة الى تربية خاصة نؤصل فينا مفاهيم جديدة من بينها منهجية الإختلاف وإحترام الآراء وأصحابها، وأن الفكرة هي منطقة محايدة تقبل القبول والرفض دون أن نصوب نحو شخصية صاحبها، وقبل ذلك أن نفصل بين الرأي وصاحبة، وأن نترك مساحات خضراء للود بيننا وبين الآخرين قوامها أن كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون .
أما آفة الرياضة فتكمن في جدالها ، حيث يكثر فيها الجدال الواهي والتمترس المريض والبغيض خلف أستار الإنتصار لفريق معين أو فكرة محددة أو قضية محددة، ذلك أن مناصري الفرق يتصورون ان الإنهزام في الفكر لا يقل عن الهزيمة في الميدان ، فتجد المتحاورين فيها يتصايحون ويتخاصمون وترتفع أصواتهم وتعلو أوداجهم، خاصة وأن كثير من الأحكام في الرياضة مبنية على التقدير والترجيح، مما يجعل الثوابت فيها أقل كثير من التقدير، لذا دخلت التقنيات مفاصلها بغية التقليل من مساحات التقدير، رغم أن التقدير هو نكهة الرياضة وبصفة خاصة كرة القدم.
فهل تبقى تلكم الحكم المرتبطة بالرأي مجرد مثاليات تستعصي عن الواقع ؟ أم أن في عالمنا الحالي أمثلة لرجاحة العقل والفكر والإختلاف الذي يثرى الأفكار ويدفعها للأمام ؟

صلاح محمد عبد الدائم (شكوكو)
shococo@hotmail.com
امسح للحصول على الرابط
بواسطة : صلاح شكوكو
 0  0
التعليقات ( 0 )
أكثر

للمشاركة والمتابعة

تصميم وتطوير  : قنا لخدمات الويب

Powered by Dimofinf CMS v5.0.0
Copyright© Dimensions Of Information.

جميع الحقوق محفوظة لـ "كفر و وتر" 2019