الجاكومي… الرجل الذي كان يرى المستقبل في الرجال
حين تتحول خفة الروح إلى بصيرة، وتصبح الزنزانة نافذة على المستقبل

-
الجاكومي… الرجل الذي كان يرى المستقبل في الرجال
حين تتحول خفة الروح إلى بصيرة، وتصبح الزنزانة نافذة على المستقبل
بقلم/ د. سعاد فقيري
ليست كل الشخصيات تُقاس بالمناصب التي شغلتها، ولا بالألقاب التي حملتها، ولا بعدد المرات التي ظهرت فيها على المنابر.
هناك رجال تُقاس قيمتهم بقدرتهم على رؤية ما لا يراه الآخرون، وعلى اكتشاف الطاقات قبل أن تتحول إلى أسماء، وقراءة الرجال من خلال مواقفهم وعقولهم، لا من خلال مواقعهم.
ومن هؤلاء يأتي محمد سيد أحمد الجكومي.
وقد لفتتني كثيراً الرواية التي كتبها الأستاذ ناصر خليل علي عن أيام الاعتقال، وما تضمنته من تفاصيل إنسانية عن الجكومي، وعن الدكتور هشام عمر النور، وعن تلك الأيام القاسية التي جمعت رجالاً مختلفين في المكان، لكنها كشفت معدن كل واحد منهم.
قد يقرأ البعض الرواية في إطارها الطريف، ويتوقف عند «قفشات» الجكومي وضحكاته وممازحاته داخل المعتقل، لكنني أرى فيها شيئاً أعمق بكثير.
أرى فيها صورة لرجل لم تستطع الزنزانة أن تسجن عقله.
فالإنسان قد يُحرم من حريته، لكنه لا يُحرم بالضرورة من قدرته على التفكير، ولا من حسه الإنساني، ولا من رؤيته للمستقبل.
وهذا تحديداً ما تكشفه قصة الجكومي مع الدكتور هشام عمر النور.
من داخل الزنزانة… رأى ما وراء الجدران
كان الدكتور هشام عمر النور في ذلك الوقت معتقلاً، يحمل معه علمه ومواقفه وأفكاره، ويتحدث عن التعليم وفلسفته ودوره في بناء الإنسان والدولة.
وكان يمكن أن ينتهي الأمر عند حدود جلسات المعتقل، كما انتهت آلاف الأحاديث التي دارت في السجون والمعتقلات.
لكن الجكومي رأى شيئاً آخر.
رأى في هشام مشروعاً لإصلاح التعليم.
لم يرَ فيه مجرد معتقل آخر، ولا مجرد أكاديمي يجيد الحديث، وإنما رأى عالماً يمكن أن يكون له دور في مستقبل التعليم السوداني.
وهنا تظهر قيمة الجكومي الحقيقية.
فهو لم يكن يمتلك يومها سلطة تعيين، ولا وزارة يمنحها، ولا قراراً يستطيع أن يصدره.
كان يمتلك فقط بصيرته.
والبصيرة أحياناً أقوى من السلطة.
واليوم، إذا صح ما أورده ناصر خليل علي من أن الدكتور هشام عمر النور أصبح من أبرز المرشحين لتولي مسؤولية التعليم العالي، فإن عبارة الجكومي القديمة تبدو وكأنها سبقت الزمن.
قد يسميها البعض «نبوة».
وأنا أفضل أن أسميها قراءة مبكرة للكفاءة.
الجاكومي… فاكهة المعتقل وصاحب البصيرة
من أجمل ما في شخصية الجكومي أنه لا يقدم نفسه بصورة السياسي التقليدي.
فهو قريب من الناس، سريع البديهة، حاضر النكتة، يستطيع أن يصنع من الموقف الصعب مساحة للضحك، وأن يحول الزنزانة إلى مجلس للحوار.
وهذه ليست خفة عابرة.
فالقدرة على صناعة الابتسامة في أصعب الظروف نوع من القوة النفسية.
لكن خلف هذه الروح المرحة توجد شخصية تراقب وتستمع وتقرأ.
ومن يقرأ رواية ناصر خليل جيداً يكتشف أن الجكومي لم يكن فقط يضحك ويمازح، بل كان يتابع الناس، ويدخل معهم في نقاشات، ويختبر أفكارهم، ويكوّن رؤيته عنهم.
وهذه خاصية مهمة في السياسي والمجتمعي.
فالسياسي الذي لا يعرف الرجال من حوله لا يستطيع أن يبني مؤسسة.
والقائد الذي لا يستطيع اكتشاف الكفاءة سيظل أسيراً لدائرة ضيقة من الولاءات.
أما الرجل الذي يستطيع أن يرى الكفاءة في شخص مختلف عنه، وأن يقول: هذا الرجل يصلح لهذا الموقع، فهو يمتلك شيئاً نفتقده كثيراً في حياتنا العامة.
الوطن لا يحتاج إلى من يحتكر الضوء
لقد أرهقت السودان ثقافة الأسماء التي تريد أن تكون هي كل شيء.
الرئيس والوزير والمستشار وصاحب القرار والناطق باسم الوطن في الوقت نفسه.
لكن الدول لا تُبنى بهذه الطريقة.
الدول تُبنى عندما يستطيع القائد أن يقول:
هذا الرجل أفضل مني في هذا المجال، فليتقدم.
وهذه ليست هزيمة للقائد، وإنما قمة الثقة بالنفس.
ومن هنا فإن أجمل ما يمكن أن يُقال عن الجكومي، إذا صحت هذه الرواية، أنه لم يكن يبحث فقط عن نفسه في المشهد، بل كان قادراً على اكتشاف الآخرين ومنحهم الاعتراف الذي يستحقونه.
وهذه فضيلة سياسية وأخلاقية كبيرة.
من زنزانة ضيقة إلى أفق واسع
تخيلوا المفارقة:
رجال داخل زنزانة ضيقة، لا يعرفون متى تنتهي محنتهم، ولا ماذا يحمل لهم الغد.
ومع ذلك، كان الحديث يدور عن التعليم، وعن صناعة الأجيال، وعن فرنسا وتجارب النهوض، وعن إصلاح الدولة، وعن مستقبل السودان.
هنا تحديداً تظهر عظمة الإنسان.
فالمكان كان ضيقاً، لكن الفكرة كانت أكبر من الجدران.
والجكومي، بما عرف عنه من حضور اجتماعي وسياسي، التقط تلك الفكرة.
ولذلك لم يكن غريباً أن يقول عن هشام ما قاله.
فمن يتحدث عن التعليم بهذه الروح، ويملك هذا القدر من المعرفة والرؤية، من الطبيعي أن يرى فيه الإنسان الذي يمكن أن يسهم في صناعة المستقبل.
الجكومي لا يحتاج إلى شهادة المناصب
أحياناً تمنحنا المناصب شهادة مؤقتة.
أما مواقف الناس في اللحظات الصعبة فتعطينا شهادة أصدق.
والجاكومي، في هذه الرواية، حصل على واحدة من تلك الشهادات.
لم يكن في موقع يسمح له بأن يمنح هشام منصباً، لكنه منحه شيئاً آخر:
منحه اعترافاً مبكراً بقيمته.
وربما كان هذا الاعتراف، في حد ذاته، أكثر أهمية من أي منصب.
لأن الإنسان يحتاج أحياناً إلى من يراه قبل أن يراه الآخرون.
السودان يحتاج إلى عقلية الجكومي
السودان الخارج من الحرب لا يحتاج إلى إعادة تدوير الأسماء فقط.
ولا يحتاج إلى توزيع المناصب باعتبارها مكافآت سياسية.
إنه يحتاج إلى عقلية مختلفة:
عقلية تبحث عن العالم قبل الولاء، والكفاءة قبل المحسوبية، والمشروع قبل الشخص، والخبرة قبل العلاقات.
وهنا يصبح نموذج الجكومي ــ في هذه القصة ــ جديراً بالتوقف عنده.
فالذي يستطيع أن يكتشف أستاذاً جامعياً داخل زنزانة، ويقرأ في أفكاره مشروعاً وطنياً للتعليم، هو في الحقيقة يمارس واحدة من أهم وظائف القيادة:
اكتشاف الرجال.
وإذا صدقت النبوءة… فالشهادة للجكومي قبل أن تكون للمنصب
إذا انتهى الأمر بتولي الدكتور هشام عمر النور مسؤولية التعليم العالي، فلن تكون القصة فقط قصة وزير جديد.
ستكون هناك قصة أخرى تستحق أن تُروى:
قصة رجل رأى في عالمٍ مشروعاً قبل أن يصبح ذلك العالم مرشحاً للوزارة.
وهنا أقول للجكومي:
ربما لا تحتاج إلى أن يكتب الناس عنك كثيراً.
فبعض المواقف تكتب أصحابها.
وربما لا تحتاج إلى أن يقال إنك كنت «فاكهة المعتقل».
فهذه وحدها لا تكفي لوصف رجل استطاع أن يحافظ على ابتسامته في القيد، وعلى إنسانيته في المحنة، وعلى نظرته للمستقبل في زمن كان الحاضر فيه مثقلاً بالقسوة.
الأجمل أن نقول:
كان الجكومي يضحك، لكنه كان يرى.
كان يمزح، لكنه كان يقرأ.
كان في زنزانة، لكنه كان يفكر في دولة.
وكان يرى في الرجال الذين حوله ما يمكن أن يصبحوا عليه، لا فقط ما كانوا عليه في تلك اللحظة.
وهذه هي البصيرة التي تحتاجها الأوطان.
كلمة أخيرة
تحية للأستاذ ناصر خليل علي على هذه الشهادة التي أعادت إلينا مشهداً من ذاكرة المعتقل، وكشفت لنا جانباً إنسانياً وفكرياً مهماً من شخصية الجكومي.
وتحية للدكتور هشام عمر النور، الذي يبدو أن مشروعه في التعليم كان واضحاً لمن عرفه عن قرب قبل أن يصبح اسمه مطروحاً في مواقع المسؤولية.
أما الجكومي، فله التحية مضاعفة.
ليس لأنه قال «نبوءة» فحسب، وإنما لأنه امتلك شجاعة الاعتراف بكفاءة رجل آخر.
وفي زمن أصبح فيه بعض الناس يخشون من بروز الكفاءات خوفاً على مواقعهم، تظل هذه الخصلة نادرة وجميلة:
أن تفرح بموهبة غيرك، وأن ترى في نجاحه نجاحاً للوطن.
ولعل أجمل ما يمكن أن نختم به هو:
بعض الرجال يبحثون عن مكان في التاريخ، وبعضهم يصنعون مكاناً لرجال آخرين فيه.
والجاكومي، كما تروي هذه الحكاية، كان من الصنف الثاني.
فالرجال العظام لا يُعرفون فقط بمن يقودون… وإنما أيضاً بمن يكتشفون.





